"منشن" كما ينطقها أهلها أو "ميونخ"، كما ننطقها نحن وهي ترجمة من الفرنسية أو من الإنجليزية، ونطقك بمنشن أجمل من كلمة آخرها خاء وقبلها حرف مد كالواو، وهي شديدة في لفظها ثقيلة على سامعها، وما أظنُّ المترجم العربي الأول استمع إلى نطق الألمان لها، وإنما ترجمها من لغة الإنجليز بتغيير الكاف إلى الخاء، ولم يبحث عن أصل نطقها لصعوبة هذا الأمر في ذلك الوقت، ولهذا لا ألفظها إلا "منشن"، وهي أحرف جميلة ولو توسطها الشين، وقد ذكرتها في مطلع قصيدتي "دبي الفاتنة" فقلت:
منْ أرض "منشـــن" قد ركبنا والجوى
يشـــــقي الفؤادَ إذا الأحبّةُ أبعــــــــــــدوا
لكنْ تعــــــوّدتُ البعــــــــادَ وكلُّ مـــــــنْ
قد طـــــــــــــالَ في أمــــرٍ لــهُ يتعــــــــوّدُ
لم يتيسر لي أن أحضر العيد هذه السنة في بلادي الحبيبة الإمارات، ولم أستطع أن أصل من أصله في هذه الأيام الكريمة، وقد أهاج حزني، فبسبب بعض الظروف قدمت إلى مدينة "منشن"، وذهبت لأداء صلاة العيد في مسجدها برفقة إخوة لي، وكاد المسجد يغصُّ من كثرة المصلين، بل كدنا أن يصلي بعضنا على ظهور بعضنا من شدة الزحام وصغر المسجد وبعد أكبر مسجد فيها!!، وكانت الشرطة الألمانية تحوم حول المنطقة من أجل اقتناص الفرصة، ومخالفة سيارات المصلين في منظر لم يرُق لي ولا للمصلين، فالشوارع خالية من أطرافها واليوم عيد، ولكن من يُفهم الشرطة أنّ اليوم عيدٌ وفرحةٌ وبهجة، وقد سألت أحدهم أما تخاف أن تأخذ مخالفة مرورية؟ قال : إنّ المخالفة لا تتجاوز 25 يورو ولا بأس من ذلك إذا علمت أن الموقف بعيد. قلت: لم يكن الموقف بعيدا ولكنها شنشنة عربية.
خرجت من المسجد وأنا مقتنع أنّ العيد لا يصلح إلا في بلاد المسلمين، ولو أقيم في غيرها فهو محدود في مكان ضيق المساحة والروح، وقد أولع كثير من الناس بالأسفار ليلة العيد من غير حاجة، وبها يتركون شعيرة عظيمة، وتفوتهم هذه المشاعر الجيّاشة والنفحات الربانية التي لا مثيل لها في الوجود.
من القصص الطريفة التي لا نزال نتذكرها للرجل الصالح فاضل بن أحمد المزروعي "رحمه الله تعالى" أنه في أحد أعياد الأضحى مرّ على بعض إخوته عصرا، وهم من الذين يأنس بلقياهم وبصحبتهم، وذلك لتهنئتهم بالعيد وكان هؤلاء الكرام ممن أولعوا بالصيد فلم يجدهم، وقيل له: إنهم ذهبوا للصيد، فقال: أفي العيد صيد!! وانصرف عنهم ثم أُخبر بأنهم لم يجدوا صيدا، وواجهتم بعض الظروف، حيث انقلبت بهم سيارتهم (الجيب) فأنشد ضاحكا:
لى روّحـــــــــــــــوا عـصـــــــــــــــريّة العيدْ
وخلّفـــــــــــــــــــــوا دار الــســــــلامــــــــــهْ
فــــــي (جـيب) يعفـّـــــــــد تعفّيـــــــــــــــدْ
يقصــــــــــــــفك منْ حــــــــــز الحـزامــــهْ
مـــا اشـــــوف في مرواحـهم فيـــــــــــــدْ
إلا الحسـافـــــــــــــــــــــة والــنـدامــــــــــــهْ
"العيـــــــــــــــــد" عنـد متلّــــــــع الجـيـــدْ
لى يخضّـــــــــــــب الحنّــــــــا جدامــــــــهْ
سيد الغـــواني قـــــــــــايد الـصيـــــــــــدْ
لى يفـــــــــــرّح القـــــــلب بكـلامــــــــــــهْ
قلت: حقاً إنّ العيد عند متلّع الجيد، وهي المرأة الجميلة طويلة العنق، التي خضّبت كفّها وقدمها بالحنّاء ليلة العيد، فأصبحت تتلألأ كأنّ الشمس قد ألقت رداءها عليها. وللحديث بقية.
Twitter: @jamalbnhuwaireb