لم يكنْ في حُسبانِ محمد بن عبدالله، المعروف بابن بطوطة (1304-1379م) رحّالة العرب العالمي أنه سيقضي في رحلته 30 سنة، تغير في أثنائها حكام وملوك، بل دول بأهلها، وشابت عقِصُ الصبايا، حتى كأن لسان حاله لما عاد من رحلته ينشد بيت الشاعر الذي التقى من يحبُّ بعد مرور الزمان فقال:

تغيّرت الأيامُ ما أنا بالذي

عرفتِ ولا أنتِ التي كنتُ أعرف ُ

نعم هكذا تغيرت الدنيا في جولته الطويلة، ولكنه خرج منها بفائدة عظيمة ألا وهي أن رحلته هذه سيكتب لها الخلود إلى ما شاء الله، بل ستكون مصدر إلهامٍ لكل رحالة العالم من بعده، وسيكون صاحبها أصدق رحّالة عرفه التاريخ، وخاصة بعد أن ثبت أنّ ماركبلو لم يصل إلى الصين وأنّ ما سجله في كتابه كان مما سمعه لا ما رآه، كما أثبت ذلك المحققون الأوروبيون وغيرهم.

وقد يسأل ما الذي يجعل رجلا مثل ابن بطوطة يسافر كل هذه السنين، ويترك أهله ومنبت صباه وحِبَّه وجيرانه ويدخل نفسه في المهالك؟ ليس هناك جواب إلا أنها رغبة نفس لم تقنع بالقليل والعيش الرغيد، وعزيمة تقطع من قوتها أقوى الصعاب وأعتاها من أجل تحقيق الأماني، وقد فعل فما هي أمنياتكم؟ وماذا أنجزتم منها؟ وهل سيكتب ما أنجزتموه في سجلِّ الخالدين؟ أسئلة أجوبتها لديكم.

زار العيدُ رحالتنا العالمي كثيرا في أسفاره، وكان من الطبيعي أن يتلاقى معه في كلِّ مرة في مكان وتحصل في أثنائه عجيبة من عجائبها، ومن ذلك لما كان في الهند، حيث شهد العيد مع سلطانها محمد بن تغلق شاه، فقال يصف هذا المشهد: اذا كانت ليلة العيد بعث السلطان إلى الملوك والخواص وأرباب الدولة والأعزة والكتاب والحجاب والنقباء والقواد والعبيد وأهل الأخبار بالهدايا التي تعمهم جميعاً. فإذا كانت صبيحة العيد زُيّنت الفيلة بالحرير والذهب والجواهر، ويكون منها ستة عشر فيلاً لا يركبها أحد، إنما هي مختصة بركوب السلطان.

ويرفع عليها ستة عشر شطراً من الحرير مرصعة بالجوهر، قائمة كل شطر منها ذهب خالص. وعلى كل فيل مرتبة حرير مرصعة بالجوهر. ويركب السلطان فيلاً منها، ويمشي بين يديه عبيده ومماليكه. ويمشي بين يديه أيضاً النقباء، وهم نحو ثلاثمائة، ويركب قاضي القضاة وكبار الأعزة كل واحد مطية.

ويخرج السلطان من باب القصر على هذا الترتيب، والعساكر تنتظره، كل أمير بفوجه على حدةٍ معه طبوله وأعلامه، يتلوهم أخو السلطان مبارك خان بمراتبه وعساكره، ثم يليه ابن أخ السلطان بهرام خان بمراتبه وعساكره، ثم يتلوهم غيرهم من الأمراء؛ فإذا وصل السلطان إلى باب المصلى وقف على بابه، وأمر بدخول القضاة وكبار الأمراء وكبار الأعزة، ثم ينزل السلطان، ويصلي الإمام ويخطب. ثم يؤتى السلطان بجملٍ فينحره برمح، ثم يركب الفيل ويعود إلى قصره.

قلت: استخدام الفيلة التي تساوي المدرعات اليوم في هذا الموكب المهيب لصلاة العيد، ومجيء كل هذه الجموع مع السلطان، لا بدّ أنها تورث مهابة في نفوس الناس ما بعدها مهابة.