منْ منّا لم يشعر بالعزة عندما كان يشاهد المرحوم ياسر عرفات، وهو يرتدي تلك «الكوفية» في أكبر المحافل الدولية، والتي أصبحت رمزاً لكل فلسطيني يطالب بحقه ووطنه، بل أصبح فخراً لكل عربي ومسلم يؤمن بأنّ الحق لا يضيع، وأنّ النصر قادم لا محالة ولو طال الزمن وكما قيل:
أخلقْ بذي الصبرِ أنْ يظفرْ بحاجتهِ
ومدمنِ القرع للأبوابِ أنْ يَلِجا
بحثت في أصل كلمة »الكوفية«، ولم أجد لها معنى معروفاً في العربية، إلا أن تكون منسوبة إلى كوفة العراق واستبعد هذه النسبة وخاصة بعد قراءتي لما كتبه دوزي إذ يقول في معجمه:
(»كوّفية«: هي باللاتينية كوفيا وفقاً لفورتونا أسقف بواتييه في القرن السادس، وهي بالإيطالية كوفية، وبالإسبانية أسكوفيا وبالبرتغالية كويفا وبالفرنسية كواف. وهي عند العامة »كوفّية« وجمعها كوافي: وهي منديل قطني من القطن المشوب بالحرير، ونوع ثالث من الحرير المكفت بالذهب. تطوى الكوفية بصورة منحرفة، وتوضع على الرأس بهيئة تتدلى منها على الظهر الزاويتان المثنيتان، والزاويتان الأخريان على الجبهة).
ومن كلام دوزي نكتشف أن الكلمة ذكرت في القرن السادس الميلادي، أي قبل الإسلام والكوفة لم تتأسس إلا في سنة 18 هجرية على يد سعد بن أبي وقاص »رضي الله عنه«، مما يستبعد النسبة إليها كما ذكرت. وقد سميت بعد ذلك بالشماغ والغترة وغير ذلك من الأسماء التي نحتاج أن نشرحها في مقالة أخرى وكيف تطورت عبر القرون.
وفي السنوات الأخيرة لاحظت ظهور هذه »الكوفية« بكثرة في أوروبا وأميركا، وهم يلبسونها إما تضامنا مع الشعب الفلسطيني أو من شدة البرد، لأن »الكوفية« تساعد على تدفئة الجسم مع يقيني أن التدفئة أهم لديهم من العالم العربي بأسره، بل وقد ظهرت هذه »الكوفية« الشهيرة في مجموعة من الأفلام الغربية على صدور وظهور فنانين عالميين كبار من أمثال: تشارلي شين سنة 1990، وهنري جونسون والمغني الأميركي لوب فياسكو والمغني كريس براون وغيرهم وأخيراً لبسها الممثل الهندي شاروخان، وكل هذا يدل على قوة »الكوفية« وتأثيرها العالمي!.
من المشاهير الذين اشتهروا بها الأستاذ الأديب الكبير عباس محمود العقاد، الذي لم يكن يتركها في كل أوقاته وكنت أتعجب منه فهي دائمة القرار على صدره كأنه يخشى شيئا وأظن أنه وجدها رمزاً لمقاومة الأمراض، كما كانت لعرفات من بعده رمزا لمقاومة الاحتلال وقد أجاب هو عن هذا الموضوع فقال:
(أصبت في السجن بنزلة حنجرية حادة حرمتني النوم وسلبتني الراحة ولم تزل هذه النزلة الحنجرية عندي مقدمة لأخطر الأمراض، كما حدث قبل نيّف وعشرين سنة ونجوت منها يومئذ بمعجزة من معجزات العلاج والعناية وتبديل الهواء.
ومن أجل هذا النزلة الحنجرية ألبس في الشتاء تلك »الكوفية«، التي علقتها الصحف الفكاهية في رقبتي لا تحل عنها في صيف ولا شتاء ولا في صبح ولا مساء، حتى أوشكت أن تكون من علامات تحقيق الشخصية قبل الملامح والأعضاء).
قلت: كيف يُسجن عبقري مثل العقاد إلا في زمن الإنحطاط !