الإصلاح أعز كلمة في قلوب الأنبياء والعلماء والصالحين، ومن كان له حبّ شديد لوطنه وشعبه وأمته. أما القلب الميّت الذي لا يبالي بشيء ولا بما حصل أو الذي يحصل حوله من خير أو شر، ولا يهمه رفعة أمته ولا رقيها ولا يعلم في شأنها "قبيلاً من دبير" كما يقال، وإنما همّه أن يعيش ليأكل ويلعب مع اللاعبين ولسان حاله ينشد:

وما أبالي وإلهُ الورى

أشرّقَ العالمُ أم غرّبوا

 

والأمر ليس كذلك والحياة ليست أكلاً ولا لعباً - كما يظنّ البعض ويتوهم- بل هي جدٌّ واجتهاد وبناء وعمل وتقدم وبحث ودراسات وإصلاح وتوجيه وتربية للأجيال وتعليم. وإذا وجدت نفسك في غير هذا الجو فيجب أن تتخذ لنفسك طريقاً وتشقه بنفسك، كما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: فإنّ المرء لا يعجز بل لا بدّ من سبيل، وإنْ سُدَّت السُّبُل ولا بدّ من دواء وإنْ كثرت العلل، وهذا الذي وجده المصلحون الأوائل ومن جاء من بعدهم ويكفي المصلح فخرا بأنه يسلك طريق الرسل والأنبياء وهم خير خلق الله ، يقول الله تعالى حكاية عن نبي الله شعيب :" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" .

ومن هؤلاء المصلحين الأفذاذ الذين قاموا بالإصلاح في أصعب الظروف وقاسوا الأمرين: الإمام محمد عبده بن حسن بن خير الله التركماني، وهو من أعلام علماء المسلمين المصلحين ومن قادة أصحاب التنوير في العصر الحديث، حيث قاد في حياته تيارا قويا لترقية أساليب التعليم والقضاء والإفتاء والحكم. وشارك في كثير من الأحداث - ليس هذا مكان تفصيلها - وقد تعرض لكثير من المضايقات حتى في شخصه وسمعته افتراء عليه، وتنفيرا للناس من حوله.

قامت إحدى الصحف القليلة التي تستخدم الصور على صفحاتها في ذلك الوقت بنشر صورة للإمام محمد عبده، وهو يخاصر راقصة إفرنجية وكلبها يعبث بأطرف جبته الأزهرية، وكانت تلك حيلة قذرة استخدموا فيها التركيب الفوتوغرافي، وكان لا يعرف سره إلا المختصون. أما عامة القراء فهم لا يشكون أنها حقيقية بسبب قرب عهدهم بالتصوير، وكان أمرا عظيما أن يروا إمامهم الذي يقتدى به، والذي كان رمز الإصلاح بهذا الصورة الشنيعة. فالمفتي مع فتاة أجنبية ويراقصها، والكلب يلعب بجبته فأي ذلة أكبر من هذه الذلة، لكنّ الله أراد فضح هذه الصحيفة وأحيلت الصورة إلى القضاء واكتشف أمر المكيدة وأدين صاحبها وبرأ الله الشيخ الإمام من سوء مكرهم، يقول اللقاني في هذه القصة:

 

مكيدةٌ لفّقوها بصورةٍ مســـتعارهْ

ودبّروها وكانوا بقبّةِ الاستشـــــارهْ

ولطّخوا بعد هذا بالطين وجهَ الحمارهْ

 

من العجائب بعد مرور كل هذه السنوات على موت هذا الإمام المجدد 1905 نجد من يشكك فيه ويظهر قلة احترام له ضاربا عرض الحائط كل ما حققه لهذه الأمة ومتجاهلا جهاده بعلمه وماله ونفسه وكأنهم من أولئك الذين حاربوه بادئ ذي بدء، وأقول لهم: لا عصمة إلا لله وللرسول، ولكن وقّروا رموز هذه الأمة، وناقشوا آراءهم كيفما شئتم إن كنتم علماء قد استوفيتم شروط العلم والمناقشة.