قال لي أحد المخلصين لهذا الوطن العظيم: إني شعرت بكلماتك في مقالك السابق، وهي تصل إلى أعماقي كأنها الماء البارد، ولكني شعرت بعدها بحسرة وغصة لا أقدر أن أصفها لك، لقد أيقظت صوراً قديمة وأياماً جميلة ليتها تعود ولو ساعة واحدة. فقلت له: ذكّرتني بقول الشاعر الجاهلي عدي بن زيد:

ولو بغير المـاءِ حـلْقي شَرِقٌ

كنتُ كالغصّانِ بالماءِ اعتصاري

 ويعني الشاعر أنّ الذي يغصّ بالطعام يعتصر، أي يسهل الأكل إلى جوفه بالماء، وإذا غصّ بالماء فبماذا يعتصر؟! وهو مثلٌ ضربه الشاعر يصف محنته بأنها ليست من صنع أعدائه، بل من صنع من يحبه ويعدّه سنداً له.

وأنا أستمع إلى صاحبي مرّت بين عيني ذكريات الزمن الماضي الجميل، حيث الصفاء والنقاء والولاء في أعلى منازله والإخاء في أسمى معانيه، والناس قليل في عددهم، لكنهم كثير في أفعالهم ويتغنون بأمجادهم، والأطفال تلعب في الأحياء القديمة، كما لعب آباؤهم وأجدادهم في نفس المكان وهم صغار، يتعارفون معرفتهم لأنفسهم، ولم نكن نرى الغريب إلا لماماً، ونحكي قصصنا الخاصة لا قصص الأفلام المستوردة اليوم، وأحلامنا صغيرة لا تتعدى هذا السيف البحري. نذهب إلى مدارسنا القديمة، والتي يساوي يوم من أيامها ما لا يحصى من أيام هذه المدارس، التي تغيرت مفاهيمها وتبلبلت أفكارها حتى كأني أراها أضغاث أحلام، إذا قورنت بتلك التي كنا فيها.

 «الولاء» يزرع في القلوب كما تزرع الأم حنانها في قلب وليدها، وكما يزرع الكريم احترامه في المجتمع ومثله كالزُّراع، الذين يحرثون الأرض بكل عزم وتصميم وأمنيات فيخرجون للناس ما لذّ وطاب من الفواكه، وإذا أهملوها في أي مرحلة من مراحل النمو قبل الحصاد فإنها بلا شكٍّ ستضيع ولن تُحصد إلا هشيما فاسدا، وسوف ينتظرون دورة زراعية كاملة ليعودوا إلى البداية. إننا اليوم في زمن الزراعة، ولو تأخرنا قليلا فإننا لم نتأخر كثيرا بل نحتاج إلى البدء مباشرة في تعيين المعلمين الأكفاء وتقوية العلوم الدينية والعربية والتربية الوطنية، وإدخال تاريخ بلادنا الطيبة وحكامنا الكرام وأمجاد آبائنا وكل جميل عن تاريخنا في مناهجنا، ويجب إبعاد الغربيين عن أولادنا الصغار، فالشر كله فيما يملون ويغذون عقول أبنائنا وبناتنا، والخير كله في المعلمين المخلصين من إخواننا وأخواتنا من أبناء الإمارات الحبيبة.

 وأنا أقرأ التعليقات التي سجلها الأخوات والإخوة على المقالتين السابقتين، أيقنت أنّ هذا الأمر يشكّل مصدر قلق لكثير من الأهالي، بل وصلتني رسائل عبر تويتر وأخبرت بأمور لم تخطر على فكري ومنها: أنّ مدرسة خاصة تمنع النشيد الوطني الإماراتي بحجة مراعاة شعور غير المواطنين من الطلبة فيها، وأخبرني آخر بأن مدرساً كندياً يسمعهم النشيد الوطني لبلاده، وكذلك أُخبرتُ وقد تأكدت من هذا الخبر بأن مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية من المواد المهمشة في التعليم الخاص بل لم تخصص الوزارة إلا ساعات قليلة للمادتين في المدارس الخاصة، وهذا من أسوأ ما سمعت، فهل بعد ذهاب الدين واللغة من "ولاء"؟

Twitter: @jamalbnhuwaireb