يقولون في أمثالنا العامية «اللى عوقه من بطنه وين بتجيه العافية!!» أي من كان مرضه في بطنه، من أين ستأتيه الصحة والعافية، وهذا المثل يضرب عندما يكون الأذى والخلل ليس قادما من خارج محيط الشخص، الذي ضرب له المثل، بل هو حاصل في محيطه الخاص فهو لا يستطيع صدا له ولا رداً، لأنّ ما يأتي من الخارج تستطيع دفعه عنك ومحاربته بشتى الوسائل، خلاف الذي يأتيك من داخل جسمك ولحُمتك وسندك الذي تعتمد عليه فإنه من أضر الأمور على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.
تحدثنا أمس عن «الولاء» وخطر هذه المفردة وأهميتها للناشئة، الذين يتربون اليوم بعيدا جدا عنها بسبب التغريب في المدارس الخاصة، إما عن عمْدٍ ودراسةٍ أو من غير قصد، ولكنه واقعٌ فرض نفسه بالقوة على هذه البلاد الطيبة من حيث تدري أو لا تدري، فهؤلاء الطلاب والطالبات هم مستقبلنا الآتي، وهم عماد هذه الدولة العظيمة في معانيها، والكريمة في كل خدماتها لأهلها والقاطنين فيها، وماذا تظن بقوم لم يعرفوا إلا الكتب الأجنبية والمعلمين الغربيين والأفلام الأميركية، وملئت عقلوهم بالموسيقى الصاخبة الغربية وزادت أوزانهم بالوجبات السريعة بشكل مخيف؟!! هل يستوون هم والأجيال التي مضت، والتي تربّت على الأخلاق الإسلامية العربية وتعلموا مبادئ العلم عند المطاوعة (مدرسي القرآن)، ثم التحقوا بالمدارس العربية وتعلموا عند أهل الفضل والخير وكانوا لهم كآبائهم وأمهاتهم بل أحرص؟!! الجواب: لا يستوون، لأني أشاهد هذا في كل ما أنظر إليه وأشعر بالخوف الشديد عليهم فقد أدخلناهم مبكراً في هذا البحر الهائج، ولم نعلمهم حتى السباحة لينجوا، لقد تغير كل شيء سريعا في سنوات قليلة وقد قلت:
ومنْ لمْ يحصّنْ بالشبابِ بلادهُ
فليسَ بناجٍ إنْ أحاطَ بهِ الرَّدى
هناك دعوات كثيرة تصدر من بني جلدتنا تنادي بترقية أساليب التعليم، واستقدام العلم معلّباً من الغرب بمناهجه ومعلميه وبطريقة تصميم المدارس، حتى الحمامات الورقية بدل الماء -أكرمكم الله- كل هذا من أجل رفع المستوى العلمي للطالب، وهو وإن كان مطلبا نبيلا ولكنه «ما هكذا يا سعد تورد الإبل»، هناك قاعدة تسمى بالشّرْطيِّ المنفصل عند أهل المنطق، ويسميها الأصوليون السبر والتقسيم نستطيع تطبيقها على الحضارة الغربية، ونتيجتها لكي لا أطيل عليكم: أنك تأخذ أفضل ما في حضارتهم وتردَّ عليهم ما دون ذلك، وليس أن تأخذ كل ما فيها بغير دراسة، ولا أن تعرضها على ديننا و أعرافنا وعاداتنا كما يقوم به البعض اليوم في مختلف الدول الإسلامية، وخاصة في هذه الدولة الحبيبة.
«الولاء» في خطر شديد، إذا استمر التعليم يمضي إلى هذه الهاوية الغربية، وإذا تم استبعاد أهل المعرفة والحكمة والخبرة من أولياء الأمور ليشاركوا في تعليم أبنائهم وبناتهم وتربيتهم، وإني أدعو كل من يهمه الأمر أن يشارك في نشر وعي «الولاء» بقلمه ونصيحته وبأمره إن كان له أمر، وللحديث بقية.
Twitter: @jamalbnhuwaireb