قال لي صاحبي وهو يحاورني ما لي أراك تهتمُّ بالعامية، وتطلب منا توثيقها، ولم نعرفك إلا مدافعا عن العربية الفصحى وأنت من أربابها. أليس عجيبا دعوتك هذه في فترةٍ نحن ندعو إلى إصلاح المنطق والعودة إلى اللغة الأم لغة الفصاحة والرقيِّ الثقافي، وما تساوي هذه العامية شيئا أمام عالمية لغة القرآن وأصحاب المعلقات والأدب الرفيع؟ فلماذا نوثق ما لا ينفعنا وهو زائل لا محالة ؟
فقلت : ليس الأمر كما تظنّ ولا دعوتي من جانب الاهتمام بلهجةٍ من خارج كيان العربية بل هي بنتها وضعتها كرها بعد كرهٍ لما هُدّمت أركانها التي بنيت عليها بسبب انتشار العرب في كل مكان ودخول ألسنة كثيرة غير العربية في بلادهم فاختلطت فصاحتهم وضاعت ملكتهم اللغوية، فلما ماتت السليقة حلّت محلها بنتها اللهجة المحلية لتقوم ببعض مهماتها وكان "عور اللغة أفضل من العمى" ، ولولا هذه اللهجة لما استطعت تعلم اللغة العربية بهذه السرعة لأنّ لهجتنا هذه التي نتكلم بها هي نفس اللغة العربية ولكنها خالية من القواعد النحوية والتراكيب البلاغية التي كان يستخدمها فصحاء العرب ويتعمدونها، ولو نشأتَ مثلا في الهند أو بنغلادش لن تملك شيئا من العربية إلا بعد "اللَّتيا والتي"وقد لا تنجح فاحمدالله على النعمة.
اللهجة المحلية هي بنت الصحراء العربية وهي أيضا بنت اللغة الأم التي لو أنفقتَ كلّ ما في الأرض فلن تعود سليقة بسبب التغيرات التي طرأت عليها منذ أكثر من 12 قرنا كما يعلم كل معنيٍّ بهذه اللغة العظيمة.
واللهجة المحلية يجب توثيقها لأنها تعينُ على معرفة اللغة الفصحى وإنَّ كثيرا من تعابيرها صحيحة كما وردت في اللغة الأم ما عدا مفردات دخلت علينا من دول مجاورة وهي قليلة ومحصورة يمكن الاستغناء عنها كما ذكر أخي سهيل بالأمس تعليقا على مقالتي، وسأضرب على ذلك أمثلة فإني كنت جالسا عند بعض كبار السن وذكر أنّ فلانا يقدح في نسب فلان فقال آخر: نعم نضحه ، فتساءلت لماذا قال نضحه ولم يقل عابه أو سبّه فلما رجعت إلى المعاجم وجدت أنّ من معاني النضح هو القدح في العرض.
وكذلك حدث مرةً أني كنت أقرأ كتاب ابن قتيبة المعروف بأدب الكاتب فقلت لجدتي رحمها الله: ما الخبيط في لهجتنا؟
فقالت: في البر أو البحر؟، فقلت: في البر، فقالت : الخبيط أن يأتي الراعي فيخبط الشجرة بعصاه فما تساقط منها فهو خبيط لتأكله الإبل فنظرت إلى ما كتبه ابن قتيبة فإذا هو قد كتب المفردات نفسها كأنه أخذه من بدوي أو بدوية مثل جدتي مع اختلاف الزمن.
الاهتمام باللهجة المحلية ودراسة أساليبها وحفظها يجب أن تلقى عناية كبيرة منا، فهي دليل على الفصحى ومعينة لنا على فهمها وشاهد على تاريخنا الذي سُطّر في هذه الأشعار العامية وكفى تعجرفا وكبرا عليها. وإنّي إنْ قلت هذا فلم أقله إلا حرصا مني على لهجةٍ بدأت تضيع ولغة عربية فصحى أضيع منها فانتبهوا قبل الضياع ولا عودة بعده .
Twitter: @jamalbnhuwaireb