يحاول مجموعة من العلماء الأستراليين توثيق اللغات المحلية القديمة التي كانت موجودة قبل احتلال الرجل الأبيض القارة سنة 1788م وكان يُقدّر عدد سكانها بمليون استرالي (أصلي)، وهم وإن كانوا قليلاً في العدد ولكنهم كانوا يتكلمون مائتين وخمسين لغة مختلفة.
ولا أعلم لماذا كل هذه اللغات الكثيرة لشعب قليل في العد؟ ولا أعلم هل هذه اللغات مختلفة في الصوت والمعاني أم الاختلاف هو من قبيل وجود بعض المفردات في لغة لا توجد في اللغة الأخرى أو هو فقط في اختلاف طريقة النطق أعني اختلافاً جزئياً يجعلها لهجات مختلفة لكل لهجة خصائصها مثل اللهجة المصرية واللبنانية صافية لسامعها سهلة التقليد والحفظ وأخرى كاللهجة التونسية والمغربية حادّةً في مقاطعها.
في المكتبة الوطنية في نيو ساوث ويليز بعض الكتابات القديمة للأستراليين كتبت بلغات انقرضت اليوم ، فمن أصل 250 منها لم يبق إلا 140 لغة وقد قال وزير الفنون في هذه الولاية جورج سوريس: "إنّ اللغات الوطنية الشفاهية والمكتوبة تمثل العمود الفقري للثقافة في البلاد". ولا أدري كيف صرّح هذا الوزير بهذا التصريح الكبير في بلد يتجاوز عدد سكانه 22 مليوناً في حين يقدر عدد سكانه الأصليين أقل عن نصف مليون بعد أن قتل المهاجر الأبيض معظم هذا الشعب القديم وقضى على كل آماله وانتهت كثير من لغاته بسببه، والغريب أنّ من تبقّى منهم لا يعيشون طويلاً بسبب المخدرات والاحباط الذي يعاني منه صاحب الأرض (الأصلي).
ومن العجائب أنّ الشركات الأسترالية الكبرى هي التي ترعى هذا المشروع الغريب على أجندة الشركات التجارية التي لا تبالي إلا بالأرباح !! يقول نيلسون الذي يعمل مديراً لإحدى هذه الشركات التي تدعم المشروع : "إنّ الوثائق المباشرة للمستوطنين الأوائل في مكتبة الولاية شيء فريد وإنّ المشروع سيربط الناس مع الثقافة الأصلية وسيقدّمها اليهم". وهذا يعني أنّ المهاجر الذي قدم طامعاً في خيرات استراليا ونهب ثرواتها وقضى على شعبها وبعد مرور أكثر من قرنين يبحث عن اللغات الضائعة لهذا الشعب المسكين من أجل تعزيز الهوية الثقافية للمجتمع الأسترالي إذا أحسنا الظن وقد يكون الأمر هو دعاية للشركات ولأطماع أخرى لا نعرفها.
يستمر هذا المشروع 3 سنوات كما ذكر أصحابه وقد يحالفهم الحظ في توثيق هذه اللغات وقد لا يتمكنون، لأنهم انتظروا وقتاً طويلاً حتى بدأوا في هذا المشروع الثقافي المهم ولا أظن أنّ 3 سنوات تكفي للإنجاز ولكن لا بأس بالمحاولة.
*وأتساءل أيضاً لماذا لا نبدأ بمشروعٍ مماثلٍ للهجتنا الإماراتية المحلية التي هي لهجة واحدة ولا تزال موجودة عند كبار السن وإن اختلفت في طريقة نطقها في بعض المناطق، ونقوم بإنقاذها قبل ضياعها للأبد فإنّ الجيل الحديث يتحدّث بأقل من 4 % من لهجتنا المحلية القديمة حسب نتائج بحثٍ قمتُ به بنفسي. ولماذا لا تقوم الشركات الكبرى برعاية هذا المشروع التي تأكل ليل نهار من هذا الدولة المعطاء ولا نرى شيئاً من نفعها، فهل يجب أن تضيع ثم نجري للبحث عنها كما يفعل الأستراليون اليوم !! وللحديث بقية.