الأسواق التجارية منذ نشأتها القديمة حتى اليوم لا تعرف إلا البيع والشراء إلا ما كان من أمر سوقي عكاظ الجاهلي والمربد الإسلامي الأموي فقد كان من أمرهما عجبا إذ كانا يجمعان ما بين التجارة والأدب في وقت واحد ولم أجد تفسيرا لهذا المزيج العجيب إلا تفسيرا واحدا وهو أن عشق العرب قديما للأدب يساوي حاجتهم إلى المال.

فهل حاجتنا اليوم إلى الدراهم أكثر من حاجتنا إلى الأدب؟ وهل الأديب صار لا يجدي نفعا في هذا المحيط من متطلبات الحياة؟ وهل الروح لا تحتاج إلى ترويحها بقليل من الشعر وبعض من الثقافة التي تخفف عنها الهموم ؟ فإن كان الأمر عكس هذا فلماذا لا نشاهد في كبرى الأسواق مكانا لهؤلاء الأدباء؟ قد يكون مقهى أو متجرا أو في أحد الممرات الواسعة أو غير ذلك، تخصص لهم أيام في كل سنة كمثل عروض الأزياء المفتوحة في وسط مراكز التسوق، أو يقام لهم مسرح شعري متنقل يشارك فيه الشعراء من دول شتى بدل اختفائهم في أمسيات لا يحضرها إلا عدد محدود من المهتمين . قد يقول بعض التجار وهو يقرأ مقالتي هذه ما لنا نحن ولهذه الطائفة المفلسة من المثقفين أليس في أشغالنا ما يكفي عن الاشتغال بما لا يدرُّ علينا ربحا !!

وأقول لهم لن أجادلكم، أنتم محقّون في زعمكم وأنا مخطئ في حلمي فأرجو المعذرة فقد ماتت سوق عكاظ ومضى أهلها ولا رجعة بعد الغياب.

منذ عدة سنوات تحاول إمارة مكة مشكورة إعادة سوق عكاظ إلى الحياة وفي موقعه التاريخي أيضا في الطائف حيث تدور على أرضه فعاليات ثقافية عدة ومن بينها أمسيات شعرية وتوزع فيها الجوائز ومن أهمها جائزة الشعر التي حجبت هذه السنة بسبب ضعف المشاركة من الشعراء أو عزوف الكبار منهم عن تقديم أشعارهم للجنة أو عدم معرفتهم بها أو لأن اللجنة التي اختيرت كانت قاسية في أحكامها ولا أدري ما هو السبب ولكنها حُجبت للأسف.

*راعي هذه الفعاليات هو الشاعر الأديب الأمير خالد الفيصل أمير مكة وقد سئل بعد الإعلان عن جوائز هذه السنة وعن سبب حجب الجائزة فقال: (لم تتلق اللجنة سوى عدد محدود من الترشيحات، وأكرر الأسف مجددا لأن جميعها لم ترق للمستوى المنشود). ثم قال :(أرى أنّ المثقف والشاعر العربي لا يسعى بنفسه إلى المنافسة على الجوائز، بل يتطلّع لأن تبحث المؤسسات المانحة للجوائز عنه وتطّلع على إنتاجه).

وهذه حقيقة تؤكدها الشواهد ولكني أتسائل ما يمنع المؤسسات أن تبحث عن الشعراء الكبار وتقوم بتكريمهم وهم أقلية في هذا المحيط المتلاطم ، وكيف تقوم لجنة لا نعرف مستوى علمها في النقد الأدبي أن تقدم شاعراً على آخر ويكون هو المختار، وأقترح على لجان جوائزنا الشعرية كافة أن تضيف مع المفاضلة بين النصوص تأثير هذه النصوص وكاتبها على مجتمعه وعلى الثقافة فلا فائدة من تقديم شاعر مغمور لم يقدّم لأمته شيئا يذكر.

  Twitter: @jamalbnhuwaireb