التوقيع مأخوذ من فعل "وَقَعَ الأمرُ" بمعنى وجب ولزم لأنه عندما يوقّع السلطان أو من دونه على ورقةٍ لزم التنفيذ ، ويقال إنه مأخوذ من قولهم: في "جنب الناقة موقع" عندما تؤثر حبال الأحمال التي على ظهرها تأثيرا خفيفا وهكذا يكون توقيع الملوك على الأوامر فهو تأثير خفيف على جانب الورقة، وقيل غير ذلك من أصل اشتقاق هذه الكلمة والأغلب أنّ التوقيع مأخوذ من المعنى الأول لأنه إذا وقّع وليُّ الأمر وجب أنْ ينفّذ ما صدّق عليه بتوقيعه وهذا مما لا شك فيه وإلا كان لا فائدة من توقيعه أصلا .

كان الخليفة أو الملك يتولى بنفسه أمر قراءة الرسائل ويوقّع عليها ولما زادت هذه الأوامر وكثرت احتاج الملك إلى من ينوب عنه ويفحص البريد الوارد والأوامر الصادرة ويعرضها عليه ، فكان متولي ديوان الرسائل هو ذلك الرجل، فإن كان منصفا يخاف الله فسوف يقوم بواجبه على أحسن وجه وإن لم يكن فسوف يعطّل أمور عباد الله ويجعلها معلقة حتى حينٍ وقد ترمى الرسائل ولا يعرف لها أثر، ولهذا كان الخلفاء يمتحنون متولي رسائل الديوان لكي لا يقعوا في ظلم الناس فتحصل الاحتجاجات والفتن وهم لا يشعرون ويولون اهتماما بالغا في هذا المنصب الكبير .

*والتوقيع كان متعة أخرى للخلفاء والمسؤولين الأدباء فقد أصبح أدبا يحفظ ويروى ويتندر به في كتب الأدب، من ذلك توقيعات الخليفة العباسي المأمون فقد وردته رسالة من قاضي "قم" في إيران فجلس يتفكر ماذا يوقع على رسالته فقال :" أيها القاضي بقمْ قد عزلناك فقمْ"، فكان يقول هذا القاضي المعزول: أنا ضحية سجع الخليفة، وأكثر من هذه التواقيع الأدبية الصاحب بن عبّاد فقد وردت عنه الأعاجيب ومن ذلك : أرسل أحد عماله رسالة إليه يلتمس عملا فقال : إنْ رأى مولانا أنْ يأمر بإشغالي ببعض أشغاله، فوقّع الصاحب تحتها: "من كتب إشغالي، لا يصلحُ لأشغالي" يعني من يخطئ في اللغة ويقول إشغال لا يصلح أن يكون موظفا عندي، وليت الصاحب حضر اليوم ورأى حال اللغة العربية ما حلّ بها عند أهلها!!.

كنت أقرأ إحدى الصحف فوجدت إعلانا فيه توقيع أحد الوزراء المثقفين والذين لهم جهود معروفة وله اهتمام بالأدب والشعر ولكني صدمت بتوقيعه فقد كان باللغة الإنجليزية بدلا عن العربية وقد شعرت بانقباض شديد كيف وصل بنا الأمر إلى هذه الحالة في تقليد هذه الأمم التي بقيت قرونا طويلة وهي تتنافس على تقليدنا وتتباهى بمعرفة لغتنا، وقد أعطيته العذر لأنه قد يكون مستعجلا ووقع بغير العربية لأنه لا يعقل أن ليس لديه توقيع عربي وإلا ستكون المسألة مبكية محزنة، وقد جاء عن ابن خلدون :" أنّ الأمم المغلوبة مولعة بتقليد الأمم المتغلّبة "، ولكن ليس إلى حدّ التوقيع وهو لا يتجاوز أحرفا قليلة .

إنني أدعو كلّ من يوقّع بغير العربية أن يعتز بلغته ويعود إليها فهي عزّه وتاريخه وأمجاده ولا ينس أنه من هذه الأمة العريقة التي هي أصل كلّ حضارات الدنيا، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله ورعاه عن هذه الأمة :

سادتْ وعلمّتِ الدنيا حضارتها للهِ ما كانَ منْ عزٍّ ومُستبَقِ

Twitter: @jamalbnhuwaireb