يقولون لكلِّ شاعرٍ شيطانٌ يوحي إليه الشعر، وقد يكون له أكثر من شيطان، فما أظنُّ شاعراً مثل المتنبي، امبراطور الشعر عبر التاريخ العربي، لديه شيطان واحد؛ إذا نحن أكدنا نظرية وجود مثل هؤلاء الشياطين الشعراء، ولا يخلو هذا الأمر من وجود شياطين ضعفاء يوحون شعراً ضعيفاً، فيكون صاحبهم من الإنس ركيك الشعر ضعيفه، ومن شياطين فحول يوحون للمحظوظين من الشعراء الجزل من القريض الذي صار بعد ذلك معلقة أو قصيدة رنانة أو مفخرة من مفاخر الديوان العربي.
ولا ندري كيف يختار الشيطان الشاعر هؤلاء الشعراء؛ أمن زمن الطفولة أو من بعد دراسة شخصية المختار من البشر، أم هناك مقاييس ومعايير تتبع في الاختيار؟!
يقال إن هناك وادياً يسمى وادي عبقر تخرج منه هذه الفئة المثقفة من الشياطين، وجاء في كتاب الحيوان للجاحظ تفصيل لأنواعهم، فقال:
ويقال إنَّ الحنَّ ضَعفة الجنِّ، كما أنَّ الجنيَّ إذا كفر وظلَم وتعدَّى وأفسد قيل شيطان؛ وإن قوي على البنيان والحمل الثقيل، وعلى استراق السمع قيل مارد، فإنْ زاد فهو عِفريت، فإن زاد فهو عبقريّ.
وفي ظنّي أنّ الحنَّ بالحاء هم الذي يوحون لضعفاء الشعراء، والعبقريَّ هو متخصص لكبار الشعراء إذا صحّ كلام الجاحظ، وقد يكون التقى بأحد الجنِّ وأخبره بهذه التفاصيل الغريبة.
وقد ذهب بعض الشعراء، المؤمنين بهذه الطائفة الشاعرة من الشياطين، إلى القول إنّ الشياطين الذكور أشعر من الشياطين الإناث، ومنه قول الراجر المشهور أبي النجم العجلي، يصف راجزاً منافساً له:
أنا أبو النجم إذا ابتل العذرْ ضاحي القوافي عنده خير وشرْ
شيطانه أنثى وشيطاني ذكرْ
ويروي صاحب الأغاني هذه القصة عن الفرزدق وجرير، وكلاهما شاعر مفلق ومن قبيلة تميم، فيقول: أقبل راكبٌ من اليمامة «الرياض حاليا»، فمر بالفرزدق وهو جالس في المربد «سوق تقع في البصرة»، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة. فقال: هل رأيت ابن المراغة «يعني جريراً»، قال نعم، قال: فأي شيءٍ أحدث بعدي؟.. فأنشده: هاجَ الهوى لفؤادكَ المهتاجِ
فقال الفرزدق: فانظرْ بتوضحَ باكرَ الأحداجِ
فأنشده الرجل: هذا هوى شغف الفؤادِ مبرّحٌ
فقال الفرزدق: ونوىً تقاذفَ غير ذاتِ خلاجِ
فأنشده الرجل: إنّ الغرابَ بما كرهتَ لمولعٌ
فقال الفرزدق: بنوى الأحبّةِ دائم التشحاجِ
فقال الرجل: هكذا والله سمعتها منه؛ أفسمعتها من غيري يا فرزدق؟ فقال الفرزدق: لا، ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أو ما علمت أنّ شيطاننا واحد.
ولدي قصة أيضاً، فقد أنشدتني امرأة، تقرض الشعر، صغيرة في سنها، قصائد لم أسمعها من أحد، ولم أقرأها في كتاب، صحيحة الوزن، جزلة الألفاظ، فقلت من أين لك هذا؟ فقالت: من شعراء، قلت من هم؟ فقالت: هم معي ولا تراهم.
وبعد هذا السرد نستفيد فائدة غير صحيحة إلا في الأساطير، أنّ الشعر من وحي الشياطين على اختلاف مستوياتهم ذكورا وإناثا، متميزين أو غير ذلك، وبانتهاء حقبة شعراء الفصحى الكبار أعتقد أنّ هؤلاء الشياطين العباقرة هاجروا من العالم العربي إلى دول أخرى بعيدا عن العرب ومتاعبهم بسبب كثرة الإسمنت والبناء، لأنهم يهربون من الضوضاء والرافاعات الشاهقة ومن تبقى منهم فإنه يجهّز متاعه ليرحل إلى الأبد.
Twitter: @jamalbnhuwaireb