السياحة لم تظهر إلى الوجود بعد الثورة الصناعية الأوروبية، ولكنها قديمة قدم البشر، وقد جاء في القرآن الكريم: «قلْ سيروا في الأرضِ فانظروا كيف بدأ الخلق»، وهذا أمر منه سبحانه للتعرف على آثار الأمم السابقة ومعرفة بدء الخليقة.
وقد بدأت الرحلات التجارية والسياسية والثقافية في الأزمان السحيقة كما هو معروف، ولكنها لم تكن بهذا الشكل الذي نراه اليوم، حيث أصبحت صناعة عالمية تدر على أصحابها أموالا لا تحصى، كما هو الحال في فرنسا واسبانيا وبريطانيا وتركيا، وما أدراك ما السياحة في تركيا البيزنطية والإسلامية في آن واحد.
لقد أدرك الأتراك حقيقة ثروتهم القومية التي تمتد من عهد البيزنطيين ثم عهد المسلمين من سلاجقة وعثمانيين، الذين تركوا عجائب الآثار من كنائس وأسوار وأبراج وأحواض كبيرة وحصون ومساجد وقصور وتقاليد وعادات وفلكلور وغير ذلك، مما يسلب الألباب ويريح النواظر ويبهج القلوب.
وهل كان العرب أقل منهم وأرضهم مهد الحضارات ومبعث الرسل والأنبياء ؟ والجواب: لا، قطعا فإننا نملك من مقومات السياحة ما لا يملكه أهل الأرض قاطبة، ومع هذا فعدد السائحين في اسبانيا فقط يفوق القادمين إلى الوطن العربي كله، فأين الخلل إذن ؟
تمتلك جمهورية مصر العربية سدس آثار العالم منذ 3000 سنة حتى اليوم، ويوجد فيها التاريخ الإسلامي كله منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مرورا بعهد المماليك، حتى ثورة ناصر، وهي أعني مصر، لا تقل عن فرنسا ولا اسبانيا ولا تركيا، فعدد سكانها 80 مليوناً وآثارها لا تعدّ ولا تحصى، بل ما تحت الأرض أكثر مما يوجد على ظهرها، ولم يهتم علماء الدنيا بآثارٍ.
كما اهتموا بآثار مصر، ولا يخلو منهج في كتب الطلاب إلا وفيه صفحات عن مصر الفرعونية وآثارها، حتى ان الدولار، وهو العملة الأولى في العالم، يحمل صورة أهرامات الجيزة، وقد أنتجت أفلام سينمائية كثيرة عن مصر في أميركا الهوليدية وغيرها من الدول الغربية، ما يجعل الغرب والشرق يشتاق لرؤيتها، ومع هذا لا يزيد عدد السياح القادمين إلى مصر عن 10 ملايين في أفضل الحالات، وقد يصل إلى 4 ملايين في بعض السنين، فهل يعقل هذا الأمر ؟!
ضربت مثلا بتركيا الحديثة التي يتجاوز عدد السائحين فيها 25 مليونا يقضون ما بين 3 إلى 7 ليال في ربوعها، وأغلب هذه السياحة هي سياحة ثقافية، وهم في ازدياد مطرد، لأن الأتراك فهموا أهمية آثارهم وتراثهم وتقاليدهم للعالم، فأبدعوا فيها وأصبحوا ينافسون الغرب والشرق لأنهم يعتزون بها ولا يجدون وسيلة إلا واتخذوها لزيادة عدد السائحين، وها هو الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر يقول «لو خيرت أن أعيش خارج بلدي لاخترت أن أعيش في اسطنبول» !.
الأمة العربية، من عُمانها إلى مغربها، يوجد فيها الكثير من مقومات السياحة الثقافية، ولكنها تحتاج إلى اهتمام ورعاية وتعليم ورفع مستوى الخدمات لهذه السياحة، من تثقيف للشعوب العربية وتدريس أدلّاء السياحة واقتناء أفضل الأجهزة لعرضها ودراستها والتعاون من المعاهد الدولية لتطويرها، حتى تدر على الشعوب العربية الفقيرة والغنية أموالا كثيرة وترفع من دخل الفرد، وتحافظ على تاريخنا العريق وتوفر فرص عمل للعاطلين.
Twitter: @jamalbnhuwaireb