الثقافة تلك الحسناء الساحرة التي بقيت على مرّ العصور محافظة على بهائها وسحرها في أصعب الأوقات وتزداد تألقا إذا طاب الزمان وأقبل الناس عليها وإن اختلفت مسمياتها بين البشر فإن معناها واحد لا يصلح إلا لها ، وهي وإن لم تكن معروفة عند العرب الأوائل بهذا الإسم ولكن معظم فروعها التي تعرف بها اليوم كانت لديهم معروفة وأصيلة .

عالم الثقافة عالم جذاب يجذب كل طبقات الناس على مختلف مستوياتهم وأجناسهم وهو محبب للنفوس من أجل الراحة والاستمتاع الفكري والروحي ولكنه للأسف عالم بني على (قفٍّ) أرضية تحسبها صلبة ولكنها لا تقاوم كثيرا الزلازل السياسية ولا المتغيرات الإقتصادية، فهو عند هبوب أول عاصفة مالية تراه يتضاءل ويتبخر بعضه بسرعة فائقة ولا يبقى من هذا العالم الجميل إلا ما وجد دعما من أعيان البلدان وملوكهم لحاجة ما قد نستطيع مرة تفسيرها ومرّات لا نستطيع ولهذا نكف عن الحديث عنها خوفا وطمعا .

كنت أتحدث مع أحد المثقفين عن حال الثقافة فقال لي : ولماذا نتكلم عن أمر لا يؤكّل عيشا ، ولا يوصلك إلا إلى الأحزان والهموم ألا ترى ما نحن فيه ! فقلت له : إنّ الأمر لا يعدو أمرين إما أن يكون ممتعا للروح مسعدا لها وإما أن يكون محزنا لها ووبالا عليها .

والأمر الأول هو الذي يقرّه أصحاب العقول أما الثاني فلم أعرف أحدا يقول به ، فإن كنت من هؤلاء فأخبرني ما سبب أحزانك ولماذا هذا التشاؤم ؟ فقال : ألست تعرف مكانتي العلمية وتعرف مستوى ثقافتي وأدبي ؟ فقلت : بلى ، فقال : ألست ترى ما آلت إليه حالتي بسبب هذا العلم وهذه السمعة التي أصبحت تعذبني أكثر من نفعها لي .

فقلت له : أنت شاعر لا يشق له غبار في هذا المضمار وكاتب أنيق وصاحب معارف شتى ومقدر عند أهل العلم والآداب ألست تتلذ بقراءة أمهات الكتب وتستمتع بتصنيف المؤلفات النافعة ؟ فقال : بلى ، فقلت : أليس يسألك الناس فتجيب بكل أريحية كأنك نهر يتدفق من العلم ؟ فقال : بلى ، فقلت : وأي لذة أكبر من هذه اللذة وأي نعمة أبلغ من هذه النعمة التي نحن فيها ؟ فهز رأسه وقال : بلى ولكن من يلبي حاجات النفس والعيال دعك عني فإن الأمر جلل !! فذهبت عنه وأنا كلّي أسف عليه .

في فرنسا يتنافس الرؤساء المرشحون لسنة 2012 على إقناع الناخبين بمشاريعهم السياسية والإقتصادية وكذلك بمشاريعهم الثقافية ، وعلى سبيل المثال ظهرت مارتين أوبري الأمين العام للحزب الإشتراكي بكتيب من 50 صفحة تشرح فيه كل أفكارها لرفع مستوى الثقافة ومن أهمها رفع الميزانية الثقافية 40٪ والتي ستصل إلى مليار يورو لأنه قطاع مهم جدا ويمثل جزءًا من الدخل القومي ، وقد انتقدت أوبري على تصريحاتها هذه ولكن المراقبين يقولون إنّ الثقافة قد تحدد من هو الرئيس القادم لأن الفرنسيين أهل ثقافة ويعرفون أهميتها وقيمتها الحقيقية فهل نصل يوما إلى مستواهم ؟ أرجو ذلك.

Twitter: @jamalbnhuwaireb