ما أحوج عالمنا اليوم، وهو يعج بمظاهر وأشكال التطرف والإرهاب والعنصرية والكراهية، إلى التقارب مع الآخرين والتسامح بين الشعوب والأفراد، وإلى نشر روح المحبة والوئام بين البشر، وهو الأمر الذي يحتاج إلى عمل جاد، تتولاه جهات تؤمن بصدق بالتسامح وسيلةً ونهج حياة بين البشر جميعاً.
اليوم تتصدر الإمارات المشهد، حيث تتجلى قيم التسامح باعتبارها نهجاً قديماً وحاضراً، وتتجسد في الممارسة اليومية والفردية والمؤسساتية، عبر القوانين التي تروّج للتسامح ونبذ الكراهية، وعبر وزارة التسامح التي تتولى تعميق وتأصيل تلك القيم في مجتمع متنوع تستضيفه الإمارات، قدّم نموذجاً عالمياً مثالياً في العلاقة الإنسانية التي يمكن أن تربط بين البشر مهما كانت منابتهم، وعبر المبادرات الإنسانية التي تجوب العالم في مساعدة المحتاج والملهوف من دون النظر إلى دينه أو أصله وفصله، بل بدافع الأخوة الإنسانية التي تربى عليها شعب الإمارات.
اليوم تؤسس الإمارات، حيث التسامح ممارسة طبيعية، مدرسة عالمية للتعايش، تستمد فلسفتها من ثقافتها وتراثها، عبر إطلاق أكبر مبادرة عالمية غير مسبوقة للتسامح، إيماناً منها بأن هذا واجبها تجاه مجتمعها وأمتها العربية والعالم أجمع، وإيماناً منها أيضاً بأن ذلك مسؤولية تاريخية في وجه قوى الظلام والشر مهما كان مصدرها.
التسامح في الإمارات ليس شعارات ولا كلمات نتجمل بها، بل نهج ومبادئ عمل وبرامج وخطط وفعاليات وجهد ونشاط مستمر، حتى صارت الإمارات والتسامح وجهين لمعنى جميل واحد، وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو يعلن أمس المبادرة العالمية للتسامح، بقوله: «إننا نسعى من خلال هذه المبادرة لتحويل قيمة التسامح لعمل مؤسسي مستدام يعود بالخير على شعوبنا في المنطقة العربية».
ولأن الشباب هم روح الأمم ومستقبلها وبناة الغد والأمل المشرق، فقد جاءت المبادرة لتخاطب وجدانهم وعقولهم، وتجتهد في صياغة بناء فكري جوهره الحوار والتعايش، والرقي والتقدم إنما تأتيان بالاستقرار، والاستقرار لا يأتي إلا بالتسامح، ولنا في ماضينا مثَل، فحين ساد فكر التسامح وقبول الآخر انتشر الاستقرار، ونبت الخير وعمّ الأمن والأمان، وغاب التعصب والإقصاء، فازدهت الأوطان، وقدمت للإنسانية ما تنشط الإمارات اليوم لإعادة تقديمه للعالم.
نعم، ما أحوج مجتمعاتنا وعقولنا إلى مثل هذه المبادرات الخلّاقة، لغرس بذور التسامح التي تتطابق مع جوهر الإنسان وفطرته، لنعيد ترميم صورتنا الأصلية التي شوّهها البعض المسكون بالكراهية والعنف، الذي ينغلق على ذاته رافضاً التطور والانفتاح ومدعياً الكمال، وهو في حقيقته انحراف مطلق عن الصواب لا يحتاج إلى إثبات، فالشواهد ماثلة أمامنا، وإعادة الإعمار الفكري لعقول جيل اليوم من الشباب هي الضمانة الأكيدة، التي تشكّل حائط الصد القوي الذي تتحطم عليه تيارات التعصب والإقصاء.
وبرغم قتامة الصورة وعتمة المشهد، فإن لنا في دولتنا وقيادتنا وشعبنا أملاً بأن نكون الينبوع الذي ترتشف منه عقول الشباب العرب، والإلهام الذي يقودهم إلى الصواب فكراً وعملاً، وإشاعة أرقى المثل الإنسانية، وفي مقدمتها التسامح شعاراً وأسلوب حياة، وصولاً إلى خير البشرية جمعاء.