الخشية من الحرية وفنون الحب 2-2

في مقالنا السابق، عرضنا لفكرة الكاتب إريك فروم في كتابه (الخوف من الحرية)، التي بيّن فيها أن الجهل بظواهر الطبيعة وأنوائها، دفع الهارب من قبيلته طلباً للحرية، إلى التخلي عن فكرة (التحرر)، والعودة إلى القبيلة، مجدِّداً الولاء بسبب شعوره بالخوف من وحشة الوحدة، وهلعه من غضب (الآلهة)، التي تجلت له بصوت الرعد وسطع البرق.

نعرض اليوم لـ(فن الحب) الذي ألمحنا له في العنوان الرئيس. والفكرة هي أيضاً للكاتب إريك فروم، عالجها في كتابه الذي يحمل العنوان أعلاه، حاول فيه تأسيس علم للحب، غير مسبوق؛ الحب لا بوصفه انفعالاً عابراً أو صدفة رومانسية، بل قدرة إنسانية يُتعلَّم ويُمرَّن عليها الإنسان؛ فالحب له علاقة محورية بالوجود الإنساني، وبمشكلة الاغتراب التي يواجهها الفرد في المجتمعات الحديثة. يقترح فروم، بصفته عالم اجتماع، الحب كفن وكموقف وجودي وأخلاقي.

يحرص الكاتب على ربط أنماط الحب، بالبنى الاقتصادية - الاجتماعية، وبصورة الإنسان عن ذاته في الحضارة الغربية الحديثة - حضارة ما بعد الحرب العالمية الثانية - رافضاً الاعتقاد بأن الحب (حالة تقع بنا)، ويضع بديلاً عن السؤال (كيف أُحَبّ؟)، سؤالاً آخر يعتبره أكثر منطقية، هو (كيف أصبح قادراً على أن أحبّ؟).

يزود فروم الشخص الذي يرى في نفسه حاجة للحب، بثلاثة شروط: المعرفة النظرية بطبيعته، الانضباط والتمرين العملي، وانشغاله الكلي بالحب، كقيمة محورية في حياته؛ فالحب كما يراه، قوة فعّالة في الإنسان، جوهرها العطاء لا التملك، وعناصر تلك القوة الفعالة، أربعة: العناية، والمسؤولية، والاحترام، والمعرفة.

ولا يخلو الكتاب من ذكره لحقيقة، أن المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، حوّل الإنسان إلى (سلعة)، فأصبح الحب مجرد (صفقة) تقوم على تبادل المنافع والمزايا، لا على النضج، وتجاوز للاغتراب كمشكلة في الأساس. بهذا المعنى يريد الكاتب الحب أن يكون فناً، محاولاً تجسيده بالقول: إن على الإنسان أن يعيش حبه على طريقة (في أن أكون)، لا طريقة (في أن أمتلك).