العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    فلسفة السلطة والسعادة

    تجاوباً مع الإيقاع السريع للحياة، وتقديراً لمشاغل الإنسان الذي لم يعد يجد الوقت الكافي لقراءة الكتب الطويلة، يواصل صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، نشر بعض من تجاربه التي تختزل كثيراً من الرؤى العميقة التي تُلهم سموه، وتدفعه لتقديم المزيد من هذه الرؤى الرائعة التي تنير الطريق أمام الأجيال، وتقدم الخبرة الطويلة المصقولة على هذا الشكل الموجز من الومضات التي يختارها سموه بعناية فائقة، ويهدف من خلالها إلى تنشيط الروح العامة لأبنائه وبناته من أبناء الإمارات، وتنوير وجدانهم بهذه الكلمات التي تختزن أعظم الخبرات، وأصفى التجارب وأغناها التي هي ثمرة الخبرة الطويلة لسموه في مسيرة الإعمار والبناء لهذا الوطن الزاهر الجميل.

    في هذا السياق من الاهتمام بنشر الروح الإيجابية في جميع مسارات الحياة داخل المجتمع، نشر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد فيديو على حسابه في «تيك توك»، تحدث فيه عن مفهومه للسعادة، وكيف أنها هي جوهر رؤيته لفلسفة السلطة، وأنّ المهمة الأساسية للحاكم هي خلق أجواء السعادة الكفيلة بشحذ الطاقات، وخلق حالة من الشعور الإيجابي داخل الروح العامة للشعب ليكون ذلك هو الدافع الفاعل نحو مزيد من الإنجاز والتقدم والإبداع، وليس غريباً على سموه هذا الاهتمام العميق بفكرة السعادة الاجتماعية، فهو صاحب الكتاب الرائع «تأملات في السعادة والإيجابية»، حيث أبدع في تحليل هذا المفهوم النفسي والاجتماعي، وطرح رؤيته الخاصة القائمة على أن السلطة ليست موجودة لمجرد سنّ القوانين وضبط الإيقاع العام للحياة وتحقيق الأمن فقط، بل إن مهمتها الجوهرية هي خلق البيئة السعيدة التي يشعر معها الإنسان بالطاقة الإيجابية التي تدفعه إلى تقديم أروع ما لديه من أفكار، وأنبل ما لديه من طاقات، وقد علّل سموه هذه النظرة الإيجابية لمفهوم السعادة بقوله في نهاية الفصل الأول من الكتاب: «السعداء ينتجون أفضل، ويعيشون أطول، ويقودون تنمية اقتصادية بشكل أفضل وفق دراسات عدّة».

    «نريد شعب سعيد وفرِحْ»، بهذه العبارة المُفعمة بالتفاؤل والإيجابية يفتتح محمد بن راشد حديثه، مؤكداً قوة الإرادة في هذا السياق حين يعبّر بالفعل المضارع «نريد» عما يريده لأنه دالّ على الاستمرارية والتجدد، بمعنى أنّ هذه الإرادة ليست طارئة ولا وقتية محدودة بل هي منهج حياة وأسلوب عمل يمتاز بالحيوية والتجدد والاستمرارية، حيث يتوجه سموه إلى نقطة الاهتمام الكبرى والمتمثلة في شعب الإمارات الذي هو محطّ عنايته، وهدف رؤيته من وراء هذه السياسة المتفردة بين دول المنطقة، فبعض الشعوب العربية وبكل صدق وأسف محرومة من هذا الشعور الذي يمنحها الإحساس بالطمأنينة على أقل تقدير، وتجد نفسها دوماً محكومة بمعادلة تكاد تُطيح بالثقة بين الحاكم والمحكوم، وتتكفل بإشاعة مشاعر القلق والريبة بين طرفي معادلة الحكم، لكنّ هذا الوطن الزاهي برجاله وقادته ومنذ مرحلة التأسيس الأولى كانت الصورة واضحة: إسعاد شعب الإمارات، وتحقيق شخصيته الحضارية المتميزة هو هدف الحكم، وما عدا ذلك من الأهداف فهو يأتي بطريق التبع، ولعل الواقع المَعيش هو خير شاهد على أصالة تلك النظرة السديدة في السياسة، وما حققته من إنجازات هي معقد فخر الوطن وسرّ هيبته وكرامته.

    «أن يكون كل يوم في دولة الإمارات أفضل عن اليوم اللي قبله»، وهذه هي الغاية الخاصة التي يمكن من خلالها اختبار الهدف الأول العام، فتحقيق السعادة ونشر مشاعر الفرح ليسا فكرة مثالية مجردة بل لا بدّ من اختبارهما على أرض الواقع، ولن نتمكن من معرفة الحقيقة إلا إذا تأكدنا من أنّ الحياة تتطوّر بشكلٍ أفضل يوماً بعد يوم، فهذا هو المقياس الصحيح للسعادة، وهو الثمرة العملية لتلك الفكرة السامية التي ربما يعجز بعض القادة عن تحقيقها حتى لو كانت تراود خيالهم، وتهجس بها نفوسهم.

    «هذه أمانة. آباؤنا المؤسسون كان هدفهم نقل المواطن من الحياة الصعبة التي كان يعيشها إلى حياة جديدة يسعد فيها بالحياة الكريمة والمريحة»، وتأكيداً على العمق الأخلاقي لهذه السياسة العامة للدولة، يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد أنّ هذه الرؤية للحكم هي أمانة ووديعة حمّلها الآباء المؤسسون للأجيال القادمة من رجالات الحكم، وجعلوها مسؤولية ضخمة في أعناقهم يُسألون عنها في الدين والدنيا، فقد كان هاجس الآباء المؤسسين (جيل زايد وراشد رحمهما الله) هو تحقيق نقلة نوعية في نمط الحياة لأبناء هذا الشعب الأصيل الذي يستحق كل هذه الحفاوة، وذلك بتغيير نمط الحياة الصعب الذي كان مطبوعاً بشظف العيش وقلة الموارد، وصعوبة لقمة الحياة إلى نمطٍ يشعر معه الإنسان الإماراتي بالحياة الحرة الكريمة من خلال تسخير جميع موارد الدولة في خدمته، والارتقاء بشخصيته ومعارفه وثقافته وكرامته الوطنية، وهذا الهدف لم يكن مجرد حلم بل أصبح هو جوهر سياسة الدولة منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة، حيث تبذل القيادة أقصى طاقاتها لتحقيق أرقى نماذج الحياة الكريمة وليست الحياة المترفة الخالية من المعنى، فالدولة واعية إلى الفرق الدقيق بين إكرام الإنسان وتنمية قدراته وبين مجرد توفير أسباب العيش، فهناك خطة مدروسة تقوم على التوازي بين المطالب المادية للحياة ومطالبها المعنوية بحيث تتكامل صيغة التقدم في هذا الوطن الزاهر الجميل.

    «نحن سلطة لخدمة الناس، ولسنا سلطة عليهم؛ لأننا نريد تحقيق السعادة لمجتمعنا، وهذا هو لا بدّ أن يكون سرّ النجاح»، في هذا الجزء المُضيء من الومضة يحدد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد مفهوماً راقياً للسلطة يتمثل في خدمة الناس وليس مجرد التسلط عليهم، وهذا الطرح يكاد يكون من الأحلام في الدول النامية حيث يتمّ ممارسة السلطة بطريقة تضيع معها حقوق الناس الأساسية المتمثلة في الحرية والكرامة والعيش الآمن، لكن دولة الإمارات -وبحمد الله- هي واحدة من النماذج المتفردة في محيطها، حيث تشكل السلطة العون الحقيقي للشعب، ويشعر المواطن من خلال هذا النموذج المتحضر في الحكم بأنه يعيش في قلب الأمان، ما يدفعه إلى مزيد من العطاء ويعمق في وجدانه أصدق مشاعر الانتماء.

    «ونحن ما دام إنّا في مناصبنا، لازم نستمر في هذا العطاء»، لأن استمرار العطاء هو الضمانة الوحيدة لمواصلة الحياة الكريمة الحرة لهذا الشعب الكريم الأصيل، وهل هناك معادلة أجمل وأعمق تأثيراً في النفس من شيوع روح المحبة والثقة بين الحاكم والرعية، فبشيوع هذه الثقة يزداد العطاء، ويكبر الوطن، وتظل راياته خفّاقة في سماء المجد، ويكون وطناً يستحق كل تضحية وبذل، وتغمره السكينة، ويكون معموراً بالأمن والاستقرار، ويواصل مسيرته في الإعمار والبناء بكل شجاعة وثقة واقتدار.

     

    طباعة Email