«مسارات حياتية»

رمضان وضبط الأعصاب

يحلّ علينا الشهر الكريم، وألسنتنا تلهج بالدعاء بأن يتقبل الله صيامنا وقيامنا وصدقاتنا، فيه يمد الجميع أياديه البيضاء بالخير، فذلك هو دأب مجتمعنا ودولتنا التي تعودت على العطاء والخير ومساعدة الآخرين في كافة أصقاع الأرض، ذلك ما نتلمسه في أيام شهر الخير، حيث تتكاثر المبادرات الخيرية، طمعاً في الحصول على رضا الله تبارك وتجلى في عليائه، فالخير في أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، لا ينقطع حتى قيام الساعة.

يحل علينا شهر الصيام، وقد قبلنا جميعاً ترك طعامنا وشرابنا، في إطار تدريب النفس على هجرة الملذات، فيه ندرّب ذواتنا على الصبر وضبط الأعصاب، وعدم ترك المجال أمامها لأن تتسرب كما الماء من بين أصابعنا، فضبط الأعصاب فضيلة، لا يدرك لذتها إلا من عود نفسه على مواجهة الاستفزاز بالابتسامة التي تعتبر أحد أشكال الصدقة كما أوصانا رسولنا الكريم.

كثرٌ هم الذين يسيرون في الشوارع، وقد تعوّدوا مرافقة قهوة الصباح، يعتقدون أنها تساعدهم على فتح عيونهم، وأنها تدق أبواب عقولهم وتبث النشاط في عروقهم، وفي نهار رمضان، تغيب عنهم رفيقتهم، وتجفّ حلوقهم، فيصبحون أشبه بـ «بركان» تغطي فوهته قشرة خفيفة، بينما النيران تغلي في جوفهم، البعض يعرف كيف يبرد هذه النيران، بينما آخرون يفتقدون حرفية التعامل مع «فورة الأعصاب»، ويلقون باللوم على الصيام، ويظنون بأن الغضب هو طريقهم الوحيد للتنفيس عن التوتر، في حين أن الواقع عكس ذلك. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه).

الهدوء جميل يمكن الاستئناس بسكينته، وهو خصلة ينبغي على النفس التمسك بها، فكل نار مشتعلة يمكن للهدوء أن يخمدها، وعلينا أن ندرك بأن نهار رمضان ليس إمساكاً عن الأكل والشرب فقط، وإنما كبح لجموح النفس، وتدريبها على قبول الآخر، والترفع عن الصغائر، لتصبح راضية مرضية، تتذوق حلاوة الصبر والإيمان بالله عز وتعالى.

مسار:

الهدوء يخمد النيران المشتعلة والابتسامة صدقة

 

طباعة Email