فن الاقتحام..!

يتعاقب الخوف والقلق الوجودي عبر تموّجات من حمرة السماء وزرقة البحر وسواده في لوحة «الصرخة» للرسام النرويجي مونش، الذي ينضم إليها هو الآخر بملامح مرعبة تشبه جمجمةً بعد الموت، صارخاً فوق جسر كأنه جزء من تلك الموجات ذات الرهبة، كأنهما يعبران عن اضطراب الطبيعة، بينما يرمز هو إلى اضطراب البشر النفسي، إذ يصرخ منفرداً غريباً، وكل الوجود بمن فيهم البشر، يهرولون بعيداً بلا مبالاة، لإيمانهم أن الخوف أو القلق أمر فردي لا يمكن أن يشترك معك فيه أحد..!

فتساءلت.. وأنا أُمعِن النظر باللوحة، هل نُربي بركاناً خاملاً في دواخلنا، حتى يباغتنا ليثور فجأة، فتضيع حواسنا وسط مغبة الفوضى؟

يبدو أن البعض لا يتقن التَبتُل العميق في «فقه» التصالح مع الذات، وهذا سبب مأساتهم؛ فالمتعة الحقيقية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان، هي الاعتدال وعدم الإفراط في التعامل مع التحديات، أن تتقن أقصى درجات التصالح مع عبث روحك الراعِف، أن تقرر ماذا تقول وكيف تصف عاصفة الكلمات داخلك، وأن تختار الروح التي تنصت لك وتتقن نسج كل تلك الفوضى لهدوء يغلف صقيع روحك..!

مواقف كثيرة جعلتني أدرك أن الحياة مدرسة عظيمة، فصادفت من يقفون على حافة التحرر، ليتنصلوا من هوس الهموم الخانقة التي تلفهم، هنيهات فقط تفصلهم عن الشمس، ثم يتخلون عن الحلم، فيصرخون كصرخة مونش المدوية، صرخة الاستسلام غير المسموعة، نادرون هم من قرروا الصمود، وسط مواكب النور، يَمتشِقونَ الرضا من غمدِ الألم، يتصالحون مع حياتهم، ويمضون قُدماً..!

وأدركت أيضاً أن فنّ الاقتحام - كما أحب أن أسميه - هو الأداة الفعالة لانتشال الروح من منافي تلك الغربة، غربة الألم، أن تقتحم «الأنا»، أن تجد الوقت لترويض نفسك على التصالح مع التحديات، أن تقتحم أفكارك، أن تنتشل نفسك من الظل، ألا تنتظر التفاتة من أحد، أن تربت على يدك، فلا شيء يرمم المرء.. كالمرء نفسه..!

 

طباعة Email