عن الكتابة..

بسبعة دفاتر أنيقة وسبع سنين، كتبت تدوينات يومية، صاخبة غاضبة حالمة، إذ كان لكل صيف كتاب، ففي فترة سابقة من عمري وجدت في التدوين الفردوس المفقود داخلي، قوى غريبة تشد أطراف غلالة همس أو حلم أو تأمل عابر، وكان تناغم رائحة الحبر والورق طقوسي الأولى لأدلف أغواراً عميقة في نفسي، بكلمات تقاوم التردد ببسالة، كحبل سري خفي يربط كل شيء بإتقان، رسائل إلى لا مكان، تركت في داخلي ألف سؤال، لم تسعف الأيام روحي لتنقب عن مكامن أجوبتها حتى الآن..!

وأنا أسترجع خربشات دُوِن أولها قبل أكثر من 20 عاماً، أرى كيف كانت الكتابة غذاء لروحي لسنوات، وكأنها روتين يومي للشغف، حتى بدأت التدوين الإلكتروني لاحقاً، وبعد سطوة الكلمات الافتراضية، ورغم مجد المدونات الإلكترونية في فترة مضت، شعرت أني أفقد حميمية الكلمات والخط والسطور المتراصة، ذاك التناغم الذي لا يحل محله أكثر المدونات أناقة، ذلك الفضاء المتصحر للورق الذي يغويك لتعيد الكَرْة كل مرة..!

لا أنكر فضل التكنولوجيا في حياتي ومشواري مع الكتابة، فمن خلالها نشرت نصوصي، وتلاقحت أفكاري مع كتاب آخرين، ومن خلالها سوقت لكتبي الصغيرة، ودونت الكثير، لكنها دعوة لمزاولة الكتابة على بياض الصفحات وبقلم أنيق، كعادة كل يوم أو كل أسبوع، فهذا الانسجام الذي غاب عن كثير منا لاسيما في فترة العمل والدراسة عن بعد، هي اقتطاع لجزء من الذاكرة، وبثها في صور أنيقة، كأيقونة مصلوبة على الروح، هي تمرين يومي لمخاطبة النفس والتبعثر على السطور دونما خوف.

وأنا أقرأ مفكراتي الصغيرة، أذهلني كيف هرولت الأيام سريعاً مبتعدة عن عتبات الأمنيات البسيطة، وتفاجأت بصراط الزمن، وتبدل الحاجات، وانسلاخ ملامح أيامنا بهذه السرعة، ولكني قاومت كل هذا التباين، حينما أعاد لي خطي ورائحة القلم الأزرق والأوراق العطرة، الصورة التي كانت عليها الأيام.. سيرتها الأولى..!

طباعة Email