استدامة سعادة الأرض

«إجمالي السعادة الوطنية أكثر أهمية من الناتج القومي الإجمالي للبلاد».. «جيكمي وانجتشوك» ملك بوتان.

تجربة مملكة بوتان أو «مملكة السعادة» كما يسميها شعبها، جديرة بالدراسة والمتابعة والتحليل، لعدة أسباب؛ البوتان من أوائل الدول إن لم تكن الدولة الأولى في العالم التي عملت على قياس مؤشر السعادة الوطني لدى الشعب، لديها مؤسسة وطنية للسعادة منذ عام 1972، والأهم من ذلك أنها الدولة الوحيدة التي ينص دستورها على أن «السعادة حق للجميع دون تمييز»، وأن «حماية الغابات والبيئة الطبيعية واجب مقدس ومحور ارتكاز السعادة الوطنية».

رؤية وأهداف حكومتها الاستراتيجية تتمثل في: «تحقيق الرضا والسعادة وعدم دخول الحزن والخوف إلى نفوس الناس»، و«الوصول إلى زراعة عضوية بنسبة 100%»، و«أن تكون دولة خالية من النفايات بحلول عام 2030».

رؤية ملهمة تختزل مفهوم سعادة الإنسان من سعادة الأرض، فهي دولة لم تسهم في إيذاء الأرض، أو رفع درجة انحباس حرارتها أو استنزاف مواردها، أولت اهتماماً بالغاً لا نظير له بين حكومات العالم في حماية البيئة والطبيعة، حتى أصبحت واحدة من أكثر الدول خضرة في العالم، والدولة الأقل مساهمة في انبعاثات غاز الكربون، حتى باتت إحدى رئات الأرض السالبة للكربون السام، نعم هي دولة تساعد الأرض على البقاء، لأن شعبها يدرك أن سعادة الأرض مسؤولية الجميع، ومن أجل ذلك وخلال يوم واحد فقط زرعت 50 ألف شجرة.

أكدت الدراسات الخاصة بالسعادة البشرية، أن كل إنسان لديه القدرة على أن يكون سعيداً، وأن مستوى الدخل والمعيشة، والعلاقات الجيدة، والتعليم، والرضا الوظيفي، ورضا المجتمع، كلها عناصر أساسية للسعادة، ولكن أهم ما أكدته تلك الدراسات؛ «أن التطور والتقدم لا يؤدي بالضرورة إلى السعادة، وأن السباق المحموم على الثروة والإنتاج من أجل السيادة والاستهلاك؛ سبب رئيسي لفجوة السعادة بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة»، ولنا في ارتفاع معدلات حالات الانتحار العالمي خير دليل.

إن تعمد الدول تعاسة الأرض، فهذا ثمنه باهظ؛ استنزاف الموارد، زيادة مستويات التلوث البيئي البري والبحري والجوي والمائي، زيادة الانحباس الحراري وارتفاع معدل الكوارث الطبيعية بالجملة، التأثير على الصحة العامة، وأخطار كثيرة محدقة تهدد بقاء الجنس البشري على كوكب الأرض.

علينا أن ندرك بأن السعادة مسؤولية الجميع، الدول والحكومات، والمؤسسات العامة والخاصة، والأفراد والمجتمع، ثم علينا أن نعي جميعاً بأن بقاء الإنسان لا سعادته فحسب، مرتبط بمدى استدامة سعادة الأرض.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات