وجهة نظر

حياتنا الرقمية

مجموعة من الشباب في مقتبل العمر وجدتهم مع بعض في أحد المقاهي العصرية المشهورة، وما لفت انتباهي في ذلك اللقاء أنهم نادراً ما كانوا يتحدثون إلى بعض، وتركزت أنظارهم طيلة اللقاء على هواتفهم المحمولة، وإن كان هناك ثمة تواصل بينهم، لكنه يتم من خلال هواتفهم وعبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تجمعهم!

حينها تذكّرت ما تقدّم به ألكسندر ستاب، رئيس وزراء فنلندا السابق، ووصفه بوصفة السعادة، عندما تحدث في القمة العالمية للحكومات عن ضرورة تخصيص ساعة واحدة فقط في اليوم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال الوقت الآخر في نشاطات أخرى مختلفة، ولم يقطع حبل تفكيري ذلك إلا عندما تنهد أحدهم بصوت عالٍ قائلاً: ملل! تلك الكلمة التي زادت حيرتي، فبالرغم من ذلك اللقاء والتحديق في تلك الهواتف ساعات طويلة، فإن الملل يبقى سيد الموقف.

كثيرون هم من أمثال أولئك الشباب الذين تمادوا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الأخرى كالألعاب وغيرها، لدرجة تداخلها مع أمورهم الحياتية الضرورية التي تشكّل يومهم غير آبهين بتلك الازدواجية، فيقضون جل يومهم متنقلين في عالم افتراضي بعيدين فيه كل البعد عن عالمنا الملموس.

وفي دارسة أجراها موقع الأبحاث السوقية «ستاتيستا»، فإن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على مستوى العالم في ازدياد مخيف، وبلغ ساعتين و23 دقيقة في عام 2019، وهو أكثر عن متوسط عام 2012 الذي كان دقيقة و30 ثانية، ذلك الازدياد الطردي ينذر بسطو أكبر للعالم الافتراضي على عالمنا الملموس، وينذر بتفاقم أكبر للأمراض النفسية التي بدأت تظهر على السطح من جراء ذلك الإفراط بالاستخدام.

فماذا نحن أمام تلك السطوة فاعلون؟ فلذات أكبادنا وشبابنا لا يستحقون كل هذا الوقت المنهوب منهم، لا بد لذلك الاستخدام أن يتراجع وينحسر، ليهنؤوا ويعيشوا طفولة قريبة من تلك التي عشناها في عالم حقيقي، ويمارسوا ما مارسناه في بدايات الشباب من نشاطات مختلفة بدنية وذهنية زادت وعينا بمتطلبات الحياة، وهو أمر يتطلب تكاتف الجميع، وإعادة النظر في ذلك الوقت الضائع، وإدارته بطريقة تسعفهم من عيش اللحظة في عالم سعيد وملموس وحياة ذات جودة رقمية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات