بوتين في قصر الوطن

العلاقات الدولية في عالمنا اليوم شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والتوازنات، ولم تكن يوماً خطاً مستقيماً، ومن حق كل دولة أن تبني شبكتها الخاصة، ضمن إطار مصالحها الاستراتيجية، ولكن بما لا يتحول إلى أذى لحلفائها وجيرانها. ضمن هذه القاعدة تتحرك دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء منظومة علاقاتها الدولية، وبما يحقق مصالح الدولة على مختلف الصعد.

من هنا نستطيع فهم الأهمية الكبرى والحفاوة البالغة، التي استقبلت بها الدولة زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن قبلها زيارة الرئيس الصيني، صيف العام الماضي، واللتين مثلتا مؤشراً مهماً على حجم التقدير العالمي، والدور الاستثنائي الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة إقليمياً ودولياً، في سبيل تنمية التعاون الدولي، والبناء على العلاقات الثنائية من أجل علاقات دولية أكثر مسؤولية، لكن علينا ألا نسيء الفهم، فعلاقات دولة الإمارات مع أي طرف ليست على حساب أي طرف آخر، ونحن لا نتعامل بمنطق المقايضة في العلاقات، وإنما نسعى لما هو أهم وهو التوازن، فتحالفنا وعلاقاتنا الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا ليست على حساب تحالفنا وعلاقاتنا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وإنما بالإضافة إليها.

وقد استوقفتني كلمة الرئيس بوتين في بداية جلسة المباحثات مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث ركز على أن الإمارات شريك تجاري مهم، مستعرضاً نماذج متعددة لهذه الشراكة، التي يسهم فيها الجانبان بشكل متساو، كما هي حال شراكة جهاز أبوظبي للاستثمار مع الصندوق الاستثماري الروسي المباشر في قطاعات البتروكيماويات والصحة والنقل والبنية التحتية والفضاء والذكاء الصناعي، والتي تجاوز العائد فيها ثلاثة أضعاف المستوى العالمي.

هذا طبعاً بالإضافة إلى الدور الحيوي المهم الذي تلعبه الأجهزة والكيانات الاستثمارية والاقتصادية المشتركة، التي تأسست بعد اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وروسيا؛ في دفع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين الصديقين إلى الأمام.

وتنبع أهمية هذه الحقائق من التذكير أننا لسنا مشترين نبحث عن مواقف للبيع، ولا ننظر لشركائنا على هذا الأساس، كما تفعل بعض الدول الصغيرة جداً، لكننا شركاء نبحث عن شراكات استراتيجية تنبني على المصالح المشتركة المتوازنة والعلاقات الوثيقة طويلة الأمد، التي نستفيد منها ونبني عليها.

كما أن زيارة الرئيس بوتين للدولة جاءت بعد زيارته للسعودية الشقيقة، التي تم فيها التوقيع على آلية التعاون في الشأن النفطي بين منظمة أوبك وروسيا التي أصبحت تعرف باسم «أوبك+»، وروسيا- كما نعلم جميعاً- لاعب لا يستهان به في سوق النفط العالمية، لذلك يهمنا جداً هذا التنسيق خاصة ونحن مع السعودية من كبار أوبك.

وكما أسلفت، فالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية ليست خطوطاً مستقيمة، وإنما هي مغامرة محفوفة بالمخاطر في خضم رياح هوجاء، ولذلك يحتاج كل بلد إلى ربّان يخوض غمارها، وأنعم بـ «بوخالد» من ربّان ماهر !

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات