موسم تهذيب النفس

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، تشعر بتراجع السكينة والسلام الذي يغمر نفوسنا مع قدوم الشهر الفضيل، بل وتتراجع تلك الروحانيات التي تزود النفس بما تحتاجه من غذاء روحي، ليحل محلها الطعام الذي يملأ المعدة بأكثر مما تحتاجه، نزعة استهلاكية شرسة بل وطاغية، ويتفاقم الأمر في العشر الأواخر، فتجد بعض الناس بدلاً من المسارعة إلى قيام الليل في المساجد، يسارعون إلى القيام في الأسواق والمقاهي التي تغلق أبوابها قبيل الفجر، فيذهبون إلى النوم بانتظار يوم جديد من أجل التهام المزيد، وتصبح لياليهم متشابهة، روتينية، رعي في الليل ونوم في النهار، لم يعد يشغلهم سوى الطعام والشراب والمسلسلات، يتحولون إلى آلة لالتهام الطعام مبرمجة للعمل بين موعد الإفطار وموعد السحور.

ما الذي جعل شهر رمضان يتحول إلى موسم تسويقي، إلى مهرجانات متخصصة في موائد الطعام والتسوق وسباق المسلسلات التلفزيونية، بل وإلى شهر لتحفيز الاقتصاد وإنعاش الأسواق وإغراق المحال بالبضائع حيث يزداد العرض ويرتفع الطلب والإقبال، ما الذي حدث، ألم يكن شهر رمضان في يوم ما شهر للعبادة والعمل وقراءة القرآن، شهر للإحساس بالفقراء ومشاركتهم، كيف يمكن أن نعلم أبناءنا فضائل الشهر الفضيل ونحن نفتقدها داخلياً بضغط من مجتمع يتحول شيئاً فشيئاً إلى مجتمع استهلاكي بامتياز.

ترى من هو المسؤول، هل هو إعلامنا العربي، هل هي شركات التسويق العالمية، هل هم التجار وأصحاب المصالح، هل هي شماعة المؤامرة العالمية كما يحب البعض استخدامها، هل هم مشاهير التواصل الاجتماعي، هل هو المجتمع الذي توجد أصلاً لديه نزعة استهلاكية؟

الواقع أن الصيام ليس خاصاً بنا نحن المسلمين فقط فقد كتب على غيرنا من الشعوب من ديانات مختلفة، كما أخبرنا القرآن الكريم، إنه نهج إنساني بامتياز لتحقيق هدف إنساني، إنه التربية الخلقية والتهذيب والسيطرة على الذات؛ فقد وجد الصوم عند النصارى واليهود وعند كل أتباع الديانات السابقة، تجد شعوباً كثيرة تصوم ولا تفعل ما نفعله، المسيحيون على سبيل المثال يصومون أياماً أكثر منا لكننا لا نسمع في إعلامهم بأنه موسم تسويقي بل أنه لا يذكر ويمر بشكل عابر، معظم الثقافات والديانات تجعل للصوم مكانة مميزة، سامية، وتضعه حيث يجب أن يكون، كعبادة تهذب النفس وتنقي الروح وتقرب العلاقة بين الفرد وربه، لا أقول إننا يجب أن نغفل الشهر الفضيل ولكن يجب أن نحافظ على مضمونه ومحتواه قبل أن يتحول إلى موسم تجاري بحت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات