وجهة نظر

غزو فضائي

في رمضان، كما في كل عام، يجتاح بلاد العرب غزو فضائي، يتسابق فيه الغزاة على حصد أعلى المشاهدين والمتابعين، وعندما نقول غزو فضائي، فذلك ليس مجرد خيال علمي، بل هو واقع أليم، لا يحدث إلا في أفضل شهور العام، ليتحول الشهر الفضيل، الذي يفترض أن تهبط فيه الرحمات، وأن يكون شهراً للقرآن، إلى موسم للدراما، بل ويسمى الموسم الرمضاني، وكأنه مهرجان تتنافس فيه الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية، للحصول على أعلى الإيرادات وأعلى المشاهدات، والمصيبة أن بعضها من النوع الهابط، الذي لا يحمل سوى الإسفاف وهدم منظومة القيم المجتمعية.

الشهر يتحول إلى موسم تلفزيوني، ونحن نتحول إلى كائنات ليلية، تنام النهار وتنشط ليلاً، لالتهام الطعام ومتابعة السباق التلفزيوني، والمسلسلات التي توصف زوراً وبهتاناً بالرمضانية، فتزداد حياتنا تعقيداً وتشابكاً، فتطغى على تصرفاتنا الدراما والنكد والأكشن، وينتهي الشهر الفضيل، وحصيلتنا صفر، فلا استفدنا من بركات الشهر الفضيل، ولا فزنا في المسابقات التلفزيونية التافهة، وهكذا هي الحياة، عندما تنشغل بالتفاهات عن المهمات، يكون نصيبك اللا شيء.

ماذا لو صمنا عن متابعة المسلسلات ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تشغلنا وتشغل أوقاتنا وأموالنا، وتزيد حياتنا تعقيداً.

كان رمضاننا في الماضي يعكس بساطة حياتنا، ويتميز بطابعه التقليدي الخاص المتوارث عبر الأجيال، حتى المسلسلات التلفزيونية، كانت تعكس تلك البساطة، المسلسلات الخليجية، كانت تمنحنا جرعة من الكوميديا غير المبتذلة، وغالباً تعالج قضايا مجتمعية بطابع كوميديا، لم يكن هناك نكد ولا حزن ولا مخدرات أو جريمة، أو حتى قلة أدب وذوق، أو قلة احترام للشهر الفضيل، أما المسلسلات الجادة، فكانت تحكي قصص الشجاعة والبطولة، وتذكرنا بفخر، بتاريخنا المجيد.

ما زلت أذكر جيداً، تلك الليالي الجميلة التي كنا نقضيها كعائلة صغيرة في رمضان، والدي رحمة الله عليه، قبل الإفطار، كان يجلس بيننا ليقرأ الجميع في المصحف، كان علينا ختم القرآن الكريم في رمضان، وتعتبر لحظة ظهور الشيخ علي الطنطاوي، رحمة الله عليه، في برنامجه التلفزيوني على مائدة الإفطار، تكون تلك علامة اقتراب موعد الإفطار، ذكريات جميلة وسعيدة، لها حنين في الوجدان.

عندما يعود والدي من صلاة التراويح، يجلس بيننا يحكي لنا حكايات البحر والمغامرات التي عايشها، والأساطير التي رددها البحارة والتجار، كان يجعل ليالي الشهر الفضيل، تواصلاً مستمراً مع العائلة، ذلك التواصل الإنساني البسيط في الفريج، حيث تتبادل المنازل الأطعمة، وكأنه مشاركة وجدانية وروحانية، نتذوقها عند أذان المغرب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات