المؤثرون والمؤثرات

إحدى نتائج فورة التواصل الاجتماعي انتشار ظاهرة المؤثرين والمؤثرات، سواء كان تأثيرهم حقيقياً أو تم شراؤه، فالمقياس عند بعضهم وبعضهنَّ هو عدد المتابعين، سواء على تويتر أو فيسبوك أو انستغرام وأخيراً سناب شات!

حكومة الإمارات مشكورة قامت بخطوة تنظيمية مهمة في هذا السياق حين اشترطت على الراغبين في صدع رؤوسنا بهذا التأثير الحصول على رخصة من الجهات المختصة تتيح لهم (ولهنَّ) ممارسة هذا التأثير على أراضي الدولة.

حسناً! حتى الآن لا توجد مشكلة، فهذه مسائل إجرائية طبيعية. المشاكل تبدأ من زوايا أخرى، فمثلاً ما طبيعة التأثير الذي يتم وعلى من؟ فعندما يكون الجمهور المستهدف هو من الشباب في الفئات العُمرية الحرجة، علينا أن نتساءل، كآباء وكذلك كمسؤولين، عن طبيعة الرسائل التي يتم توجيهها لهذا الجمهور، وخاصة في ظل تحوّل كثير من هؤلاء المؤثرين والمؤثرات إلى نماذج تُحتذى لدى شبابنا وشاباتنا، والأسوأ أن «مهنة التأثير» هذه أصبحت طموحاً لدى بعض شبابنا من دون وعي ولا تمييز لطبيعتها ولا لمخاطرها.

هل يُدرك هؤلاء المؤثرون والمؤثرات حجم المسؤولية الأخلاقية والوطنية والدينية الملقاة عليهم وهم يمارسون هذا التأثير؟

أتمنى ذلك، مثلما أتمنى على الجهات المعنية مثل المجلس الوطني للإعلام والمكاتب الإعلامية للحكومات المحلية تنظيم لقاءات دورية معهم لتوعيتهم، ليس فقط بأهمية دورهم ومسؤوليتهم المعنوية والأدبية، وإنما أيضاً بالمخاطر التي قد يتم استغلالهم لتمريرها بما يمس أمننا المجتمعي والوطني، وكذلك حدود مسؤولياتهم القانونية.

أرجو هنا ألا يُفهم من كلامي أنني أعادي المؤثرين والمؤثرات على قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة، لكنني أدعوهم إلى أن يكونوا أكثر فعالية لمصلحة وطنهم ودولتهم ومجتمعهم، وحتى المقيمين منهم، من غير المواطنين، أدعوهم أيضاً لكي يردوا جميل هذا البلد بالمساهمة الإيجابية لصالحه، وعدم الإساءة إليه.

وهنالك بالطبع قواعد أخلاقية ينبغي أن يتنبهوا لها، فالعمل في قنوات التواصل الاجتماعي والشهرة الناتجة عنه يحوّل الشخص المعني إلى شخصية عامة شاء أم أبى، وهذه صفة تأتي معها الكثير من المسؤوليات الأخلاقية.

فمثلاً، لا يستقيم بحجة الشهرة أن ترتدي ما تريد من ملابس، بغض النظر عن أخلاقيات المجتمع، ولا يجوز أن تفترض أن شهرتك تعفيك من احترام القوانين والأنظمة، والأهم من ذلك كله أن شهرتك ليست مبرراً لتجاوز الأخلاقيات الدينية والثقافية والوطنية، فأنت أولاً وأخيراً «ابن البلاد» و«بنت البلاد» سواء كنت مشهوراً أو لا.

أخيراً، اسمحوا لي أن أشير إلى ظاهرة أزعجتني كثيراً، وأدعو الأخوة والأخوات المؤثرين والمؤثرات إلى الترفّع عنها ومراجعة سلوكياتهم حولها. فأنا أستوعب أن تطلب مقابلاً مادياً لحضور فعالية تجارية، لكن أن تطلب مقابلاً مادياً (حتى ولو رمزياً) لحضور فعالية وطنية أو دينية أو خيرية، فذلك أمر معيب، بل معيب جداً.

كم يصدمني هنا أن يطلب مؤثر أو مؤثرة من أبناء البلاد مقابلاً مادياً للمشاركة في فعالية لرفع علم البلاد التي أنجبته ورفعت شأنه ومنحته كل هذا الزهو الذي يعيش فيه. الناس تتسابق للتعبير عن حبها لوطنها ودولتها وأنت تطلب ثمناً لذلك؟

يا عزيزي المؤثر ويا عزيزتي المؤثرة: تذكروا وأنتم في غمرة نشوتكم بالنجاح والشهرة والمعجبين والمعجبات وملايين المتابعين، ما قيمتكم من دون بلادكم؟

تعليقات

تعليقات