هل هي منفعة متبادلة؟

أظلمت زاوية في قلبه بعد فراق زوجته الحبيبة رفيقة دربه ولم يستطع أن يعبر عن مدى ألمه وحزنه لعائلته وأصحابه، فاكتفى بإرسال عبارات مؤلمة على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي علّها تلملم الشتات بين الحنايا، فيقول «رحم الله روحاً أوجعني رحيلها، نلتقي في الجنة يا حبيبتي رحمكِ الله».

لا شيء أصعب من فقدان عزيز ولا يوجد كلمات تعبر عن حجم الحزن وألم الفراق في قلوب الأحبة، فلا يسعهم سوى الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، لذا يأتي دور الأهل والأصدقاء في تأدية واجب العزاء للتخفيف ومواساة أهل الميت، التي لها أجر وثواب عظيم لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمنٍ يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة».

فالتعزية سنة مؤكدة ومن مكارم الأخلاق في الإسلام، لأن تجارب الناس فيها قاسية تختلف عن أي تجربة في الحياة وكأنها ريح عاتية تفقد الشخص أنفاسه.

ولكن للأسف أصبح البعض يراها منفعة متبادلة، فقد يجعلها بعض الناس كالدَّين الذي يتوجب عليهم الوفاء به، كما يقول أحدهم: «هذا الرجل كان من أوائل المعزين لدينا في أحد الأيام لذا يستحق واجب رد العزاء، أما البعض الآخر لا يستحقون ذلك لأنهم لم يكونوا موجودين في العزاء لذا ليس لهم أي حق علينا».

فضل التعزية في الأحزان والأتراح عظيم، فهي تهون على أهل العزاء ولو بالقليل حجم الأسى والأحاسيس الخانقة، لذا ركز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أهميتها بقوله: «من عزى مصاباً كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر المصاب شيئاً»، فلمَ نحرم أنفسنا من عظيم الجزاء؟

فالأقارب والأصدقاء سيشاطرون أهل المتوفى حزنهم وأساهم للحظات قليلة فقط، وسيعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية، ولكن حين ينصرف الجميع سيظل الحزن مخيماً على بيت أهل العزاء وقلوبهم مثقلة بالحزن لفراق الأحبة أياماً طويلة، خصوصاً إذا كانت حالة الوفاة مفاجئة أو غير متوقعة، سيكون هذا الفراق صعباً بكل تأكيد.

فكما ثبت عن النّبي، عليه الصّلاة والسّلام، أنّه تألّم كثيراً لموت ابنه إبراهيم، قائلاً: «إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»، إذاً الموت يؤلم البشر، والمشاعر الحزينة التي تنتج عنه متوقعة، لذا لا يجدر بالناس الاستهانة بألم من فقد أحد أحبائه، ولكن الحكمة تكمن في المواساة بالكلام الطيب ليهون على أخيه المسلم تلك المصيبة.

يجب علينا أن نقف مع أهل من فقد أحد المقربين بأن نشعرهم بوجودنا معهم قلباً وقالباً، فأهل الميت سيشعرون بفقد الأحباء بسبب ما كانوا يقدمونه لهم من مشاعر الحب والاهتمام، لذلك أيّ فعل يتم تقديمه من المواساة لأهل العزاء كفيل أن يشعرهم بأن هناك شخصاً يهتم بأمرهم ويشعر بمصابهم.

يا رب ألقِ على النفوس المضطربة السكينة، أسأل الله أن يرحم موتانا جميعاً ويسكنهم فسيح جناته.

تعليقات

تعليقات