لأنهنّ بناتنا!

دعونا نتحدث بصراحة: الطلاق ليس جريمة، فهو في كثير من الحالات يكون حلاً للكثير من المشاكل وأفضل من الاستمرار في زواج أشبه بالسجن. لذلك، أعتقد أنه حان الوقت لكي نراجع النظرة الاجتماعية تجاه بناتنا وأخواتنا المطلقات، وحان الوقت لكي نتوقف عن التعامل معهن وكأنهن مجرمات أو أقل قدراً من غيرهن.

وللأسف فإن إحدى المشاكل المتراكمة التي تؤدي للطلاق غياب ثقافة التمييز بين الاختلاف والخلاف، فأن يكون لدى أحد الزوجين وجهة نظر مختلفة عن الآخر لا يجوز أن تتحول إلى خلاف، وإنما الأفضل أن يتحاور الزوجان حولها وأن يصلا إلى فكرة جديدة تستفيد من وجهتي النظر كلتيهما. ولو أخذ الأزواج الشباب بهذه النصيحة لربما تجنبنا الكثير من حالات الطلاق.

لكن إذا كان قضاء الله قد وقع وحصل الطلاق، فتلك ليست نهاية الدنيا، بل ربما تمثّل بداية لصفحة جديدة لكلا الزوجين تقود كلاً منهما لزواج جديد ملؤه السعادة والتوفيق. أليس هذا هو في الأصل من الأسباب التي جعلت الطلاق أمراً مشروعاً في الدين الحنيف؟

أستغرب هنا تعامل بعض الأسر مع الزواج الثاني للمطلقة بالرفض المطلق وكأنه جريمة، بينما لا يتحدث أحد عن زواج المطلق، كما أستهجن «الحرب العالمية» التي تنشب بين الطرفين بسبب الطلاق، دون أدنى اعتبار لتأثيراتها النفسية على الأبناء، ونحن نفترض أننا شعب متحضر فلماذا لا يتم الطلاق بشكل ودي، كما تُحل كثير من الخلافات التي تحصل في مجتمعنا. والحمد لله حكوماتنا المحلية كلها تقريباً توفر مراكز للتوفيق الأسري يمكن اللجوء إليها لحل الخلافات وتهدئة النفوس حتى لو كان المسار الحتمي هو الطلاق.

وأتمنى هنا على حكوماتنا الاتحادية والمحلية ولتجنب المزيد من الخلافات أن يتم إنشاء صندوق لتسليف النفقة للمطلقة الحاضنة لأبناء، بحيث تستلم نفقتها من الحكومة مباشرة، التي تحصّلها من المطلق مباشرة بقوة القانون، بحيث يتم تجنيب المطلقة الأم المشاكل التي تنتج عن تهرب المطلق أو سعيه للتعسير والإضرار بمطلقته وأبنائهما. وهنالك تجارب مماثلة في عدد من الدول أتمنى دراستها.

لكن رسالتي الأهم هي للفتاة المطلقة نفسها، سواء بأولاد أو لا. لأنني أدعوها إلى أن تتعامل مع الطلاق باعتباره فرصة جديدة لإثبات الذات والتغلب على التحديات وبدء صفحة جديدة مع النفس ومع المجتمع ومع القدرات الشخصية.

وهنالك الكثير من بناتنا المطلقات اللواتي خرجن إلى سوق العمل وأثبتن كفاءتهن وحققن نجاحات مبهرة ولم يقف الطلاق حجر عثرة أمامهن، وهناك من تابعن دراساتهن العليا وتفوقن فيها، وبالطبع فهناك الكثيرات ممن بدأن حياة زوجية أخرى بسعادة وهناء بعد أن تعلمن دروس التجربة السابقة. وأسأل هنا: كم من الرجال المطلقين فعلوا مثل ذلك أو على الأقل تعلموا دروس التجربة السابقة.. نسيت، أليست قناعة الكثيرين أننا «نحن الرجال لا نخطئ، والخطأ دائما مسؤولية الجانب الأضعف!!».

لكن هذا لا ينفي ضرورة أن تكون هنالك جهود مؤسساتية ورسمية لإنصاف المطلقات في جانب، وتدريبهن وتلبية احتياجاتهن خاصة وأن بعضاً منهن يصبحن بين يوم وليلة يقمن بدور الأب والأم، عدا عن الإنفاق والتربية والتعليم، وكل ذلك يمثل تحديات مضافة تحتاج المطلقة معها إلى دعم وطني ومؤسسي وعائلي. وهن بالطبع يستحققن ذلك منا جميعاً، ولسبب أساسي يهمنا جميعاً، ذلك أنهن بناتنا! وهل نحن ممن يفرطون في بناتهم؟ لا والله!

تعليقات

تعليقات