أصحاب العقول الكبيرة

«العقل في كيانه وذاته يمكن أن يحول النعيم إلى جحيم، والجحيم إلى نعيم» ميلتون.

ولقد قسم علماء النفس العقول إلى ثلاثة أنواع، العقول العادية التي يصب تفكيرها في يومها فقط من غير التفكير في طرق تطوير الذات التي تساعد في التنمية والتطوير، والعقول الصغيرة التي تتحدث دائماً عن الناس بالتركيز على تفاصيل حياتهم وسلوكهم، والعقول الكبيرة التي تناقش دائماً الأفكار وتطور من نفسها بالعمل الجاد والمثابرة وتحرص على الاستفادة المستمرة من التجارب والمصائب لتحقيق راحة البال.

صاحب العقل الكبير باستطاعته تحويل المحنة إلى منحة من خلال التجارب القديمة الفاشلة، وذلك بتطوير الذات نحو الأفضل حتى تتحقق راحة البال التي تعد من أجمل ما في هذه الحياة بعيداً كل البعد عن الهموم والمشكلات التي تؤثر سلبياً على العقل وترهق القلب. فراحة البال لها انعكاس إيجابي في جوانب مختلفة من الحياة، وعلى النقيض تماماً من الممكن أن يتم فقد الكثير في حال الحزن والتعاسة وعدم راحة البال. فنحن نحتاج إلى هذه الراحة لننتج ونبدع ونعمل بنشاط ونبني حياة تغمرها السعادة والنجاح. ولكن ما علاقة تطوير العقل براحة البال؟

كان هناك أب لديه طفلان صغار الولد 4 سنوات والفتاة 6 سنوات، ولكن قلبه كان متعلقاً كثيراً بالفتاة التي كانت قريبةً جداً منه فهي مصدر سعادته في هذه الحياة، ولكن مع مرور الأيام قدر الله أن تصاب الفتاة بمرض خطير توفيت بعده مباشرةً، فأصيب الأب بألم نفسي حاد بسبب الهم والغم على فقد من يعتبرها في حياته حياة، وفي هذه الفترة كانت زوجته حاملاً فولدت له بنتاً وسماها على اسم المرحومة، ولكنها توفيت بعد خمسة أيام فقط، فأصيب الأب بالحزن والاكتئاب.

غيمة حزن غطت سماء هذا الأب لمدة ثلاثة أشهر، وفي يوم كان ابنه يلعب بلعبة تركيب من أخشاب فطلب من والده أن يساعده ويصنع له قارباً، فتعذر الأب وأخبره بأنه مشغول وليس لديه وقت لذلك. ولكن حين أجهش ابنه بالبكاء وافق وباشر في تركيب القارب لمدة 3 ساعات، وحين انتهى الأب من تركيب القارب استوعب أنه انشغل لدرجة أنه لم يكن لديه الوقت في إشغال باله في مصابه فاكتشف أنه عندما يشغل باله في الأشياء المهمة يبدأ بنسيان همه وحزنه. ومن هذه القصة نستوعب ونتيقن أن الإنسان لن يتمكن من التفكير في أكثر من موضوع في وقتٍ واحد، وهو ما توضحه الآية الكريمة «ما جعل الله لرجُل من قلبين في جوفه» – الأحزاب/4.

يقول علماء النفس: «بينما تكون منشغلاً في أنشطة هادفة، سيصعب على الأفكار التعسة أن تتسلل إلى عقلك».

ولكي ندرك ذلك جيداً، يجب أن نكون من أصحاب العقول الكبيرة التي تحرص على تطوير العقل والمهارات، فحين تشغل العقل بذلك أشغلك عن الهم والحزن، وبالتالي ستهزم المشاعر السلبية وستشعر براحة البال.

تعليقات

تعليقات