مهلة الستة أشهر

كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، كان لها أثر كبير على جميع من قرأها، وخاصة موظفيه في الحكومة الاتحادية. كلماته تعكس مدى اهتمام سموه الشخصي بشؤون موظفيه في الحكومة الاتحادية ومتابعته الحثيثة لأحوالهم ومدى رضاهم عن بيئة العمل من خلال تقارير رضا الموظفين، التي نتج عنها حصول خمس جهات على نسب متدنية تقل عن 60%. أمهلهم سموه علناً ستة أشهر للتحسين.

ردود الأفعال كانت جميعها إيجابية وتثمن هذه الخطوة التي قد تكون آخر آمال البعض في تحسين البيئة المؤسسية التي يعملون بها.

مفهوم السعادة في بيئة العمل ورغم حداثته فإنه من أولويات حكومة دولة الإمارات السباقة لنشر مفاهيم السعادة والإيجابية وترسيخها بوصفها ثقافة وطنية، التي وضعت إطاراً شاملاً باسم دليل السعادة وجودة الحياة في بيئة العمل، الذي تبنته من دراسات مكثفة في علوم الإدارة الحديثة وعلم النفس، إضافة إلى القيادة.

وطبّقت مؤسسات عدة مشاريع ومبادرات تُعنى في السعادة من توفير البيئة المناسبة ووضع السياسات التي تجعل الموظف يشعر بالاستقرار والسعادة. فكلما حرصت المؤسسة على إسعاد الموظفين زاد شغف الموظف وحماسه لأداء الوظيفة بشكل أشمل وأكمل، ومنها تزيد إنتاجيته وولاؤه، والناتج رضا المتعاملين وتحقيق المؤسسة لأهدافها المنشودة مترجمة بذلك رؤيتها ورسالتها.

كثير من المبادرات والمشاريع المعنية بنشر السعادة والإيجابية في بيئة العمل يتم تفعيلها لمناسبة معينة (مثلاً: يوم السعادة العالمي الذي ينتشر فيه الوجه الأصفر السعيد) وتنتهي بعد التشبع الإعلامي. الفعالية تنشر السعادة ولكنها مؤقتة، والمبادرات المؤقتة تثير سخط الموظفين على المدى الطويل لأنها تشعرهم أنها غير مستدامة وغير فاعلة.

أليس محزناً فعلاً أن ترى موظفاً يتجه إلى مقر عمله وهو مطأطأ الرأس، مغبون ومتثاقل، أو آخر يقضي وقته في إجازات مرضية، والمحبط، أو الذي يعيش في دوامة القلق الدائم الذي يحفوه إحساس بعدم الأمان، وعند سؤالهم عن أحوالهم يردون: «الله يصبرنا! نحن نعمل لأجل الراتب لا أكثر!»، وإذا فرجت عليهم كانت من خلال حصولهم على وظيفة أخرى.

أين المسؤول من هذا كله؟ المسؤول هو من يخلق البيئة التي تعمل بها المؤسسة، وهو من يصنع أخلاقيات العمل بها سواءً كانت مؤسسة يعمل بها عشرات الموظفين أو الآلاف منهم. هو من يقوم بترجمة الرؤى والرسائل إلى الصف الأول والثاني والثالث تباعاً. فبيئة العمل هي انعكاس له ولإدارته. المسؤول هو من يضع المعوقات من الصراعات الداخلية بين الموظفين، التفاضل بين الموظفين، التفكير الإداري التقليدي، الديكتاتورية في الإدارة وغيرها، وهو أيضاً من يصنع المقومات من نشر الثقة والعدالة والمصداقية والتقدير، ما يخلق بيئة إيجابية وسعيدة.

ينسى بعض المسؤولين أنهم موظفون، حالهم حال باقي الموظفين وإن اختلفت المسميات والمناصب، فكلهم موظفو الحكومة وهدفهم واحد، تعزيز موقع دولة الإمارات ورفعة شأنها في مختلف القطاعات والخدمات وخاصة التي يمثلونها، فخلق مجتمعات وظيفية سعيدة راضية ستدر عليهم مجتمعات منتجة تعمل جاهدة على تمثيل هذه الحكومة من خلال مشاريعها الناجحة وأدائها المتميز.

إذا آمن المسؤولون أنهم امتداد لرؤى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، إذا آمنوا فعلاً بهذا الشيء فكم من التصرفات ستتغير، وكم من الأساليب الإدارية والممارسات المؤسسية ستكون مختلفة؟ كم ستكون نسب السعادة والرضا لدى الموظفين؟

هي ستة أشهر ليصنع المسؤولون التغيير في مؤسساتهم، وفي زمن دولة الإمارات فستة أشهر كافية لصنع تغيير جوهري وحقيقي لخدمة الرؤية الأكبر بأن تكون حكومة دولة الإمارات الأفضل في العالم، فهل هم بحجم هذا التحدي؟

تعليقات

تعليقات