توكيد الذات والعلاقات الاجتماعية

مر عمر بن الخطاب ذات يوم في بعض طرقات المدينة المنورة التي كان يلعب فيها بعض الصغار وما أن رأوه حتى أسرعوا هاربين بعيداً إلا صبياً واحداً وقف ولم يتحرك أبداً، فوقف بجانبه وحياه بلطف ثم سأله: «جميع الصبيان هربوا لماذا لم تفعل مثلهم؟»

فرد عليه بكل أدب: «الطريق ليست ضيقة فأوسعها لك ولم أكن مذنباً يا أمير المؤمنين حتى أخافك». فأثنى عمر بن الخطاب على سلوكه وتمنى لو كان بقية الأطفال مثله. سلوك هذا الصبي أكبر دليل على قوة توكيده لذاته لأنه لم يتردد في الإفصاح عن مشاعره الحقيقية. توكيد الذات هو قدرة الإنسان على التعبير الملائم عن مشاعره وأفكاره تجاه الأشخاص والمواقف والمطالبة بحقوقه دون أي تردد.

«إذا رضيت فعبّر عن رضاك لا تصطنع نصف رضا.. وإذا رفضت فعبّر عن رفضك لأن نصف الرفض قبول» - جبران خليل جبران.

أصعب شيء في الحياة أن تجد صعوبة في التعبير عما في داخلك فتضطر أن تصطنع الرضا وأنت في داخلك تشعر بالألم والانزعاج. للأسف، اليوم الأغلبية يجدون صعوبة كبيرة في التعبير عما يشعرون به وذلك لأنهم لم يتعلموا كيفية توكيد الذات منذ الصغر لذا حين يصلون سن الرشد يصبحون غير قادرين على إظهار المشاعر الداخلية والتعبير عنها أو يحرصون بشكل زائد عن الحد الطبيعي على مشاعر الآخرين فيميلون إلى موافقتهم ومسايرتهم في أغلب الأحوال حتى ولو كان ذلك على حساب وقتهم ومالهم وسمعتهم.

فكم مرة طلب منك القيام بعملٍ ما ولم تشعر في قرارة نفسك بالرغبة في ذلك لأنه سيضع عليك ضغطًا إضافيًا ضارًا وغير ضروري، ولكنك وافقت لأنك لا تستطيع أن ترفض طلبات الآخرين، ذلك يعني أن لديك مشكلة في توكيد الذات. وكم مرة ذهبتِ إلى الصالون ولم يعجبك المكياج الذي وضعته لك ماكيرة المكياج أبداً ولكنك دفعت وأطلقت ابتسامة الرضا وفي داخلك كنتِ منهارة ومحطمة، إذا أنت بالفعل لديك مشكلة في توكيد الذات التي بدأت بسبب سوء معاملة الأهل أو الناس في مرحلة الطفولة.

الطفل منذ صغره يبدي استعدادًا للاستقلالية والتعبير عن أفكاره ومشاعره، ولكن بعض الأمهات قد تمنع طفلها الصغير من الأكل بمفرده خشية أن تتسخ ملابسه، وتقوم هي باختيار نوع القصص والألعاب دون أن تأخذ رأيه في ذلك، وعندما يعاني الطفل من مشكلة مع زملائه في المدرسة تبادر هي بحلها دون أن تتيح له الفرصة لحل مشاكله البسيطة بنفسه فيكبر ولديه ضعف كبير في توكيد الذات.

الأطفال أعظم كنز فهم قادة الغد وصناع المستقبل، من حقِّهم أن يقولوا لا، يُعاملوا باحترام، يعبِّروا عن حاجاتهم ومشاعرهم وأفكارهم بكل حرية. فنحن جميعاً نريد لأطفالِنا أنْ يتحرروا من القيود السلبية المحيطةِ بهم كي يمضوا بخطى واثقة ثابتة في حياتهم لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم في طريق الارتقاء والتقدم.

تعليقات

تعليقات