كأس العالم 2018

جبل دبي

صدق من قال: الجاهلُ عدوُّ نفسه، وهذه بالضبط حال الذين اخترعوا فيلماً يوزعونه على الواتساب بعناوين مثل «دبي ترتجف» وغيرها، بحجة بناءِ ميناءٍ صينيٍّ بمدينة غوادر الباكستانية. مشكلة من يتوهمون ذلك أنهم لا يعرفون دبي، ولا ما هو مشروع غوادر، ولا يفقهون صناعة اللوجستيكس، لذا نهديهم هذا الدرس ليفكوا أميتهم!


فدبي، أولاً، وعبر ذراعها اللوجستي «موانئ دبي»، تسيطر وتتملك حقوق إدارة 78 ميناءً عالمياً من بينها أكبر ميناءين باكستانيين؛ ميناء كراتشي القديم وميناء قاسم الحديث المُداران من قبل موانئ دبي العالمية.


وثانياً: إن هذه الموانئ الـ 78 توجد في دول مجموعُ اقتصاداتها يقارب 53% من الاقتصاد العالمي، ما يتيح لدبي التحكم منفردة في 10% من التجارة العالمية، ودبي أكبر مشغّل موانئ في الهند مثلاً، فكيف يعقل أن ترتجف من تأثير ميناء واحد؟


ثالثاً: إن قطاع اللوجستيكس والتخزين وإعادة التصدير قطاع قوي عالمياً وتعتمد عليه أسواق إفريقيا والهند والشرق الأوسط بشكل عام؛ وذلك بفضل سوق دبي الكبير ووفرة البضائع ووفرة وسائط النقل المتعددة جواً وبحراً وبراً بأسعار شحن رخيصة جداً تجعل من المستحيل على أي سوق أن ينافس هذه الأسعار بشهادة كبرى شركات الشحن العالمية.


والواقع أن منطقة جبل علي لم تعد تعتمد على الاستيراد كنشاط رئيسي، وإنما أصبحت منطقة للتصنيع والتخزين والتصدير وإعادة التصدير لمنتجات مئات المصانع في المنطقة الحرة والمدينة الصناعية والمناطق المتخصصة المجاورة لهما. كما أن المنطقة اللوجستية بين ميناء جبل علي ومطار آلِ مكتوم تضم أسرع خط بين ميناء ومطار، على مستوى العالم، بحيث أن المدة المستغرقة من وصول الباخرة إلى شحن الحاوية بالطائرة تعتبر أقل مدة مناولة بالساعات وهي أسرع مدة شحن بالعالم.


رابعاً: إن ميناء غوادر مصمم لتغطية منتجات إقليم شينجيانغ غرب الصين، بينما واردات دبي من المنتجات الصينية تأتي من الأقاليم الجنوبية والشرقية (من هونغ كونغ وحتى شنغهاي) التي لن تستفيد من ميناء غوادر لنفس الأسباب التي أدت بالصين لاستخدامه في الأساس. مما يعني أن واردات دبي الأساسية من الصين لن تتأثر، فنحن لا نستورد شيئاً من شينجيانغ.


خامساً: إن الظروف الموضوعية التي أدت لنجاح دبي عموماً وميناء جبل علي خصوصاً ليست متوفرة لدى غوادر ولا في باكستان، ولا حتى لدى من دفع 15% من كلفة ميناء غوادر متوهماً أن دبي سترتجف! (الدفع تم عام 2013 قبل قطع العلاقات، حتى تعرفوا النوايا!). وذلك لأن نجاح موانئ دبي لم يعتمد أبداً على تدفق بضائع بلد واحد، مهما بلغ حجمه، وإنما اعتمد على مصفوفة متكاملة من الرؤية القيادية لأصحاب السمو الشيوخ والتشريعات والقضاء والأمن والتسامح، وكلها عوامل يستحيل أن تتوفر في غوادر الميناء الوحيد في إقليم بلوشستان المضطرب أصلاً، والذي تنشط فيه حركات قومية مسلحة تعادي الحكومة الباكستانية، وأخرى تعادي الحكومة الإيرانية التي تحتل الجانب الآخر للإقليم.
الخلاصة:


زعمتْ «غوادِرُ» أن ستخنق ميناءنا... أبشر بطول سلامةٍ يا «جبلْ دبي»!
ملاحظة: غوادر هو اسم الميناء، وهي أيضا جمع كلمة غادرة، كما في «الجارة الغادرة».

تعليقات

تعليقات