ماذا جرى في الدوحة مساء الجمعة الماضي، بحيث أدى لتلك المكالمة الفجائية من أمير قطر لولي العهد السعودي، وما تلاها من بيان مفبرك المعلومات بثته الوكالة القطرية قبل أن تبرد أسلاك الهاتف؟
في التحليل الموضوعي، يمكننا أن نسجل الملحوظات التالية لنفهم تصرفات الدوحة بشكل أفضل: فالقيادة القطرية وجدت نفسها أمام ضغط دولي وإقليمي خاصة بعد المؤتمر الصحافي للزعيمين الأميركي والكويتي، والإشارات الذكية المدروسة التي أرسلها أمير الكويت.
لذلك كان لا بد من تخفيف هذا الضغط وإرباك المشهد بتمثيلية مبرمجة مسبقاً، فيتصل تميم بولي العهد السعودي ويعرب عن استعداده للحوار الذي سبق لوزير خارجيته أن رفضه قبل أقل من 24 ساعة، ثم تسارع القيادة الفعلية بإصدار بيان عن المكالمة بمعلومات مفبركة، ومستفزة للجانب السعودي، ليضعوا السعودية أمام خيارين إما قبول البيان وعندها يتاجرون بنصر وهمي يظهر السعودية وكأنها هي من بادرت بالاتصال، أو رفض البيان، وعندها سيتاجرون بأكذوبة أن السعودية رفضت الحوار.
الرد السعودي جاء حازماً وذكياً واختيرت مفرداته بعناية، فأعاد الكرة إلى مرمى الدوحة، وكشف لعبتها أمام الرأي العام العالمي، لأنه لم يسبق في تاريخ العلاقات بين الدول أن قامت دولة باختراع تفاصيل وتضمين نصوص لم ترد في المكالمة الأصلية بين القيادتين، خاصة عندما يكون هنالك انعدام للثقة من قبل طرف (السعودية) بالطرف الآخر (قطر).
ولكن القصة لا تنتهي هنا، فالصياغة القطرية للبيان تعني أنهم يتعاملون الآن مع وساطة أميركية، متجاهلين الوساطة الكويتية. وهنا نسجّل حقيقة تاريخية، ففي كل أزمة افتعلتها قطر مع أشقائها، وتوسطت فيها الكويت، كانت قطر تحرص دائماً على إفشال الوساطة الكويتية، والسبب هو عقدة تاريخية لديهم ضد الكويت تفترض أنه بما أن آل الصباح بنو عمومة آل خليفة قادة البحرين، فهذا يعني أن نجاح الكويتيين نجاح للبحرين.
ومن بين الأمثلة الكثيرة التي تثبت هذا الواقع، تعمّد ولي العهد القطري وهو جد تميم، إفشال وساطة الشيخ صباح الأحمد في مفاوضات إنقاذ الاتحاد التساعي عام 1969 بمبررات سطحية مثل لماذا زار البحرين قبل قطر. وهذا ما يفسر لنا قيامهم اليوم بتسريب النقاط الثلاثة عشر، وإنكار تصريحات الشيخ صباح، وغير ذلك من سلوكيات هدفها الوحيد إفشال الوساطة الكويتية.
ما تم مساء الجمعة نموذج قديم جديد لطبيعة المشكلة مع القيادة القطرية، وهي غياب الجدية، ومحاولة اللعب والعبث بدلاً من السعي الجاد لحلحلة الأمور.
ولو كان لديهم ذرّة واحدة من جدية وراء الاتصال لما كانوا هاجموا المملكة فور صدور البيان السعودي، محاولين إلصاق التهم بالإمارات، والسعي لإثارة فتنة متوهمة بين الإمارات والمملكة. لو كانوا جادين لما أصدروا بيانهم بمعلوماته المفبركة من الأساس، لكنهم كعادتهم يعبثون. وحين يعبث الصغار بمصير أمة ومنطقة، فلا بد من حزم الكبار. عندها، وعندها فقط، تنتهي هذه الغمة.