ترى، لو حسبتها بالمفهوم المادي، كم يفترض أن تدفع لك الحكومة راتباً مقابل تطوعك؟، هذا السؤال المستفز هو في الواقع جزء من الحقيقة المرة التي يواجهها القائمون على منظومة التطوع في مختلف مؤسسات العمل الوطني الإماراتية، وهو انعكاس لفهم خاطئ لفكرة التطوع، تفترض أنه لا بد أن يكون هنالك راتب منتظم مقابل أي نشاط تطوعي أو على الأقل مكافأة مادية مباشرة.
وما ينساه أصحاب هذه الفكرة، هو أن هذا يعني عملياً شطب فكرة التطوع وتحويلها إلى عمل بأجر، مثل أي وظيفة أخرى، بينما تقوم فكرة التطوع على البذل والعطاء دون مقابل. لهذا يبدو لي مستهجناً السؤال الذي يطرحه بعض من شبابنا، عندما ندعوهم للتطوع في أنشطة وطنية: كم ستدفعون لنا؟.
لكن هذا ليس كل شيء، فالأعمال التطوعية في عالم اليوم ضرورة وطنية، وجزء أساسي من مكونات ارتباط المواطن بوطنه، والإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه.
هنا، تقدم لنا أستراليا نموذجاً يستحق التوقف عنده. فحسب تقديرات أكاديمية، تبلغ مساهمة القطاع التطوعي في الاقتصاد الأسترالي، ما قيمته 290 مليار دولار أسترالي (أكثر من 800 مليار درهم) سنوياً، متفوقاً على قطاع التعدين والمناجم مثلاً، والقطاع في تنامٍ متواصل، إلى حد أنه أصبح هنالك صناعة جديدة اسمها «سياحة التطوع».
حيث يأتي عشرات الآلاف إلى أستراليا كل عام للتطوع، هذا عدا عن المواطنين الذين ينتقلون بين مختلف المقاطعات الأسترالية لنفس الغرض، ومعلوم ما ينتجه مثل هذا الحراك من أثر اقتصادي إيجابي، إضافة لأثر التطوع نفسه.
هنا، أستأذنكم أن أتوجه بالحديث للمؤسسات الرسمية والأهلية والجامعات وغيرها، إذ لا بد من ابتكار قنوات وأدوات مهمة لتشجيع الناس على التطوع.وخصوصاً التطوع النوعي، كما يفعل فريق أطباء الإمارات مثلاً، وهم مفخرة للإماراتيين جميعاً.
ويحضرني هنا أن الدول الاسكندنافية مثلاً تعطي الأولوية في قبول اللاجئين لمن لديهم سجل تطوعي، أما الجامعات والشركات في أميركا وكندا، فتعتبر السجل التطوعي عوامل مساعدة في التوظيف والقبول الجامعي.
لقد حان الوقت أن يحتل التطوع نطاقاً أوسع في حياتنا، وهذا يتطلب أن يصبح جزءاً رئيساً في خططنا التربوية والتعليمية. ما الذي يمنع مثلاً أن تتضمن جامعاتنا مساقاً إجبارياً من متطلبات التخرج للأنشطة التطوعية، لكي نغرس في نفوس أبنائنا نمطاً جديداً، لما توارثناه عن آبائنا من حب الخير والعطاء!
دامت الإمارات بلد الخير والعطاء، ودمتم في طاعة اسمها العطاء.