من أكثر الأمور التي تقوم بزعزعة العلاقات الاجتماعية وقطع الصلات بين الأشخاص، سواء كانت مع الأهل أو الأصدقاء أو زملاء العمل، هو سوء الظن الذي يعد من الآفات الاجتماعية المنتشرة بين الناس، وذلك لأن الشخص يبدأ بتخيّل وتوقع أقوال وأفعال الآخرين دون التأكد من مصداقيتها فتُقطّع أواصر المَحبّة والألفة.
حض الله عزّ وجل على اجتناب سوء الظنّ بالآخرين، فقال عز وجل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم». سورة الحجرات. صدق الله العظيم.
ولكن أليس إحسان الظن بالجميع سذاجة. ديننا يحضنا على الحرص، فإذا رأيت شخصاً لا تعرفه وجب التأكد والتحقق من أفعاله؛ فأغلب الكوارث سببها المبالغة في حسن الظن.
سوء الظن عصمة، أحياناً، إذا كان هناك سبب وجيه أو دليل واضح، وهذا الظن ليس إثماً، ولكن إذا لم يكن هناك عبارة أو دليل فهو إثمٌ كبير؛ لأن معاملة الإنسان الطاهر والمستقيم بسوء الظن تؤذيه وكأنك تذبحه.
المواقف الصعبة هي التي تكشف معادن وحقائق الناس. ذات مرة دخل أحد الجراحين إلى المستشفى بعد أن تم استدعاؤه على عجل لإجراء عملية جراحية لأحد المرضى، وقبل أن يدخل غرفة العمليات وجد والد المريض يذرع الممر جيئة وذهاباً وهو ثائر وعلامات الاستياء واضحة على وجهه، فصرخ في وجه الطبيب قائلاً: «ما هذا التأخير يا دكتور؟ ألا تعلم أن حالة ابني في خطر أليس لديك إحساس بالمسؤولية؟». فابتسم الطبيب وقال: «أنا آسف فلم أكن في المستشفى وقد حضرت مباشرةً حين تلقيت النداء، والآن اهدأ ودعني أقوم بعملي وبإذن الله سيكون ابنك في يد أمينة.
للأسف لم تخمد هذه الكلمات الطيبة غضب الأب وقال للطبيب: «ما أبردك يا دكتور، لو كانت حياة ابنك هل ستهدأ، ماذا ستفعل لو مات ابنك؟». ابتسم الطبيب ورد قائلاً: «أقول قوله تعالى (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) فهل للمؤمن غيرها؟». بعدها دخل الطبيب لإجراء العملية التي استغرقت ساعات طويلة، وعندما انتهى خرج مسرعاً وقال لوالد المريض: «الحمد لله؛ نجحت العملية وستشرح لك الممرضة كل شيء وعلي أن أسرع بالذهاب الآن».
وعندما خرج ابنه من غرفة العمليات سأل الممرضة: «ما بال هذا الطبيب المغرور لم ينتظر حتى أساله؟». هذه العبارة جعلت الممرضة تجهش بالبكاء فقالت للأب: «عندما اتصلنا بالطبيب ترك حزنه على ابنه لينقذ حياة ابنك؛ فلقد توفي ابنه يوم أمس وكان يستعد لمراسم الدفن، فليس لدينا جراح غيره».
سوء الظن كاللغم إذا انفجر؛ يدمر كل ما هو جميل. هل قلت مرة بعد شجار: «يا ليتني تريثت. يا ليتني فكرت»؟