لأننا بفضل الله ومنته تعوّدنا، في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن «نطالع أبعد من ريولنا»، تبدو في سياقها الطبيعي تماماً تصريحات صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة من أننا لا نكترث للتهديد بإغلاق مضيق هرمز، بعد افتتاح خط أنابيب النفط الذي دخل الخدمة أخيراً وأصبح جاهزاً لنقل نحو 70% من إنتاج الإمارات النفطي للأسواق العالمية عبر ميناء الفجيرة.

فالواقع الذي تؤشر عليه تصريحات صاحب السمو حاكم الفجيرة هو أن التخطيط الاستراتيجي للمستقبل وبّعد النظر في استشرافه سمتان ميزتا السلوك القيادي في دولة الإمارات العربية المتحدة بحيث أصبح التحوط والاستعداد والجاهزية جزءاً رئيسياً ومدمجاً في كل الخطط التنفيذية للدولة، بحيث لا يترك المجال مفتوحاً أمام المفاجآت أو قرارات اللحظة الأخيرة.

وإذا كان هذا أمراً مستجداً عند غيرنا، فهو عندنا تراث توارثناه أباً عن جد، ومن يذكر «صندوق التحوط» الذي أنشأه حاكم دبي الشيخ سعيد آل مكتوم في ثلاثينيات القرن الماضي يدرك لماذا لم تتأثر دبي بأزمة اللؤلؤ الصناعي الياباني في الأربعينيات، ومن منا لا ينظر بعين الإكبار والتقدير لكل المشروعات الاستراتيجية اللاحقة في دبي، مثلاً، والتي وفرت رافعة اقتصادية مهمة وقت الإمارة الأنموذج بفضل الله ثم حكمة القيادة من تبعات الأزمة المالية العالمية عام 2008. وخذ مثلاً، لا حصراً، ميناء جبل علي ومنطقته الحرة.

أما على مستوى الدولة، فها هي خطوات صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، المؤيدة من صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله وصاحب السمو نائب رئيس الدولة رعاه الله، للاستعداد منذ الآن لتصدير آخر برميل نفط بحلول العام 2050 لتقدم برهاناً متجدداً على بُعد النظر وسلامة التخطيط الاستراتيجي،

خاصة أن دولة الإمارات كانت منذ البداية أول دولة من دول منظمة أوبك تعتمد منطق تنويع مصادر الدخل وعدم الاكتفاء بالنفط مصدراً وحيداً لدخل الدولة والمجتمع، وها نحن الآن بعد قرابة خمسين عاماً على هذا التوجه نشهد ثماره المباركة ما يثبت من جديد سلامة رؤية القيادة على الصعيدين المحلي والاتحادي.

من هنا ننظر إلى الإنجاز الوطني في الفجيرة، وخط النفط بين حقل حبشان وميناء تصدير النفط في الساحل الشرقي وما يتبعه من وحدات تخزين ومصافي نفط عالمية القدرات باعتباره استثماراً وطنياً للمستقبل، ربما تكون أولى ثماره المباشرة تحييد حاجتنا إلى مضيق هرمز (باب السلام) وبالتالي منع ذوي النيات الخبيثة من استعماله كورقة ضغط أو ابتزاز ضدنا. والأمم الحرة، مثل دولتنا، لا تقبل لا الضغط ولا الابتزاز.

لكن بُعد النظر في رؤية القيادة، والتخطيط الاستراتيجي للمستقبل، ليسا محصورين في الجانب الاقتصادي وحده، فمجمل العملية التنموية في الدولة من تطوير التعليم والسياسات التحديثية في الخدمات والعلاقات بين الحكومة والشعب وبناء قدرات المواطنين والاستثمار في رفاههم المعنوي والمادي، كل ذلك خطوات مدروسة باتجاه المستقبل وليس مجرد لحظات آنية أو ردات فعل على مستجدات الأمور.

والدرس بليغ وبسيط يصح في السياسة ويصح في الحياة، فقد علّمنا آباؤنا وأجدادنا أن «لا نطالع بين ريولنا» حين نخطط للمستقبل. وها نحن، بفضل الله ثم بحكمة القيادة، نفعل، ونقطف ثمار ما فعلنا!