تخيل نفسك تجلس مع عائلتك التي من المفترض أن تكون الأقرب إليك، فمعهم تشعر بالأمن والأمان والاحترام التام لشخصك الذي يغمرك بالحب اللامشروط ليشبع حاجة دفينة في نفسك.

ولكن سلوكهم وللأسف قد يضيق عليك الخناق فتشعر بالغضب والحيرة لأنهم يستغلون اللحظة بتصويرك دون أخذ موافقتك بهدف نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ليعبروا عن جمال تلك اللحظة وروعتها لتصل إلى أكبر عدد من المتابعين متغاضين عن حالتك النفسية، فكيف سيكون شعورك؟

بعض الأطفال قد يكرهون نشر صورهم على صفحات ذويهم لأن نشرها في هذه المواقع يجعلها ملكاً لمستخدميها والتي من خلالها قد يتعرض الطفل للإحراج أو السخرية أو المضايقات في المدرسة.
وأما البعض الآخر فقد تعجبهم فكرة الشهرة فيتم إنشاء حسابات خاصة بهم على هذه المواقع، حيث يتم فيها إدراج أبسط تحركاتهم فيتقوقع هذا الطفل في قالب البالغ ويبدأ بالتباهي أمام الآخرين فتصبح الشهرة بالنسبة له نهج حياة.

في السابق يُسأل الصغار «ماذا تريدون أن تصبحوا حين تكبرون؟» فيكون الجواب «أريد أن أصبح طياراً، طبيباً، مدرساً أو صحفياً» واليوم إذا سألت أطفال بين سن العاشرة والخامسة عشرة نفس السؤال سيكون جوابهم «أريد أن أصبح مشهوراً».

اعتبر الأطفال الشهرة مصدراً للمال والنجاح، وحب الذات والآخرين، وبالتالي، كلما عرفهم الناس من خلال صورهم ومقاطع الفيديو التي تنشر عنهم، أحبوهم واحترموهم أكثر. لكن هؤلاء الأطفال لا يعرفون أن تلك الشهرة التي يسعون وراءها لا تأتي مجاناً، بل تتطلب جهداً بشكل يومي من الادعاء وإظهار تفاصيل حياتهم بشكل مثالي، فهم لا يغضبون ولا يملون من الآخرين.

تخبرني إحداهن «لا أعترض على مشاركة طفلتي في الأنشطة الخيريّة لتمثل الصورة المثالية أمام الجمهور الذي يهوى متابعتها». ولكن المادة الأولى التي تقدمها هذه الطفلة ستكون صورة جميلة لطفلة قاصرة والتي عليها يتم تحديد مصيرها.

 فبدلاً من التفكير في تطوير قدراتها وأفكارها وصقل مواهبها والعمل معها نحو مستقبل مشرق، يتم الاستفادة منها في الحصول على الشهرة من خلال الإعلانات الّتي ترتدي فيها أزياءً لمصممّة مشهورة. فيتم انخراطهم في عالم النجومية والشهرة الذي قد يزرع فيها الغرور من الصغر، فتتعالى على الغير بشكل سلبي.

حين أرسلت استبياناً في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» لمعرفة عدد المرات نسبياً التي يتم فيها أولياء الأمور إدراج صور ومقاطع تصويرية لأطفالهم في الإعلام الاجتماعي، كانت النسبة الأكبر «أحياناً» والتي بلغت 56%، وأما النسبة الأقل فكانت «دائماً» 6%.

 وليس هدفي هنا هو حث الآخرين بعدم إدراج صور صغارهم على هذه المواقع بقدر ما أود تسليط الضوء على عواقب هذا الانتهاك الناعم لبراءة الأطفال على المدى البعيد.

الأطفال أرق المخلوقات وأصدقها وهم كيانٌ يحتوي على أطهر معاني البراءة والنقاء، يلونون حياتنا ويرسمون البسمة على شفاهنا وهم فلذات أكبادنا. فليبقوا الأطفال في عالمهم المخملي من غير أن نسمح للغرباء باستغلال براءتهم.