اسمحوا لي بهذا السؤال المنطقي والموضوعي: ماذا يعني أن يعمل المواطن في الوظيفة العامة في دولة الإمارات؟ تتعدد الأجوبة، لكنها لن تبتعد كثيراً عن حقيقة أن الخدمة العامة هي تكليف وليست تشريفاً، وعندما يثق بك القادة ويسلمونك مسؤولية إدارة أو جهة رسمية، تصبح المسؤولية مضاعفة وبالتالي يصبح ما يتوقعه منك الوطن مضاعفاً.
الدولة، فيما يتعلق بالوظائف العامة، ليست جمعية خيرية، وبالتالي فإن علاقتك بها لا يجوز اعتبارها الجهة التي تدفع لك الراتب الشهري، وحتى لو اختصرنا الأمر في هذا الجانب، يبرز عندها سؤال ضروري وملح: هل حللت راتبك؟
دعونا نأخذ مثالاً على طريقة قيام البعض بيننا بواجبات وظائفهم، ألا وهو دور المديرين المواطنين في مسألة التوطين وإفساح المجال للكفاءات الشابة أن تستعد وتتهيأ وتتدرب وتكتسب الخبرات والمهارات لكي تقود في المستقبل عندما يحين دورها. وهنا، نجد الكثيرين لا يرون من الموضوع سوى الخشية من أنه إذا أفسح المجال للمواطن لاكتساب الخبرات، فإنه سيحل محله في القريب العاجل، ومن قال لك إنك مخلّد في مكانك يا عزيزي؟ ألم تسمع، من بين أشياء أخرى كثيرة، عن شيء اسمه: التقاعد!
هنالك حالات معروفة لمديرين مواطنين وصلت بهم رغبتهم بمحاربة الكفاءات المواطنة، إلى المبالغة في تعيين الوافدين بل وحتى إخفاؤهم عند الحاجة لكي «تبدو الصورة مواطنة»، ولكنهم نسوا أن كبار المسؤولين لديهم «متسوقون سريون» أيضاً!
البعض الآخر يتذاكى ويحسبها بالآلة الحاسبة: ثلاثة موظفين وافدين براتب موظف واحد مواطن، إذن الأوفر تعيين الوافد! ومن قال لك إن خزينة الدولة في أزمة وتنتظر إبداعاتك، وهل يحسب الأمن الاجتماعي والوظيفي وقدرة الدولة على تأمين الوظائف لأبنائها بمقدار التوفير في ميزانية هذه الإدارة الحكومية أو تلك؟
وإذا لم تكن تعلم، فاعلم أن هنالك دولاً تقترض وتستدين (وبعضها تقترض من دولتنا!) لكي تؤمن الوظائف الحكومية لمواطنيها، لأن هذا الأمر يوفر أماناً اجتماعياً ووطنياً أهم بكثير من حسابات الربح والخسارة المحاسبية البحتة.
مسألة التوطين في رأيي نموذج ملح على قدرتنا على القيام بالتزاماتنا الوظيفية والقيادية، فمن وضع سمو الشيوخ ثقتهم فيهم يحملون أمانة ثقيلة، وسمو الشيوخ لا يتركون مناسبة إلا ويعيدون التأكيد على مسألة التوطين وتوظيف المواطنين، إذن المسألة لم تعد منّة من هذا المدير أو ذاك، وإنما جزءٌ هيكلي من واجباته الوظيفية.
إنني كمواطن أتهم بالتقصير الوظيفي كل مدير يتقاعس في ملف التوطين، سواء حسبها بالخشية على كرسيه أو بالتوفير المالي أو أي عذر آخر، لأنه عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية العليا فلا عذر لأحد. نعم، لا عذر لأحد.
ولمن لا يعجبه هذا الكلام من المديرين المواطنين في دوائرنا الحكومية، اتحادية ومحلية، اسمح لي أن أذكرك: أنت جندي في خدمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وإذا لم تكن ترى نفسك كذلك، فأفضل شيء تفعله هو أن تفسح المجال لغيرك ممن يرى نفسه كذلك.
فهمت... يا «فلان»؟