تمثل الألعاب الإلكترونية بمستوياتها المختلفة، وخاصة تلك التي يتم لعبها عبر شبكة الإنترنت، نموذجاً مهماً للدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه العائلة، والوالدان تحديداً، في تربية أبنائهم تربية قويمة وإبعادهم عن مسارات التطرف والإرهاب ومزالق الوقوع في فخ التنظيمات المتطرفة والانحراف الفكري.

فعالم الألعاب اليوم، وخاصة بعد انتشار لعبها عبر الإنترنت، سواء عبر أجهزة الكمبيوتر العادية أو البلاي ستيشن أو غيرها، أصبح يمثل إحدى أخطر القنوات التي تستخدمها أطراف معادية، ولا أتحدث عن داعش وحدها وإنما عن شركائها وحلفائها أيضا، لاختراق مجالنا الأمني المجتمعي وتجنيد الناشئة أو على الأقل غسل أدمغتهم ودفعهم لخدمة أجنداتها الإجرامية والإرهابية التي تمس أمننا الوطني ووجودنا القومي.

في هذا السياق تلعب الاسرة، والوالدان خصوصاً، دور الحصن الواقي المكمل لعمل الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية والذي ربما يكون في بعض التفاصيل أكثر ضرورة منهما. فالعائلة تعرف الناشئ وطباعه وسلوكياته وهو أمامها كالكتاب المفتوح الذي يسهل قراءته وفهمه وهذه هي نقطة القوة الأساسية للعائلة في قدرتها على تحصين أبنائها.

لكن بالمقابل هناك نقطة ضعف خطيرة، ألا وهي أن غالبية الآباء عندنا يجهلون عالم الألعاب الإلكترونية ولا يعرفون شيئاً عما يفعله ابناؤهم فيه، والكثير منهم لا يتعدى الأمر بالنسبة لهم أن الابن أراحهم من إزعاجه وانشغل باللعب. وهنا مكمن الخطر، لأن هذا يؤدي إلى فجوة كبيرة في التفكير والتواصل خاصة وأن الناشئ يهرب إلى عالم الألعاب ليجد المتنفس من غياب التواصل مع أسرته، فإذا تركناه على حاله سنتركه لقمة سائغة لمن ينتظر هذه الفرصة السانحة.

مهم جداً أن يتعلم الآباء والأمهات كيفية التعامل مع الألعاب الإلكترونية، وخاصة الشبكية، وأن يلعبوها مع أبنائهم، ليس كشرطة سير تراقب كل حركة وكل نفس، وإنما كأصدقاء يبنون جسور التواصل والتفاهم والثقة مع أبنائهم وكلما وثق بك ابنك أكثر أصبح قادراً على أن يستمع لك ويتقبل نصائحك وكذلك أن يفضي لك بما يواجهه ويطلب نصيحتك.

قد يقول قائل لماذا لا نمنعها جميعاً ونرتاح، ولكن هذا ليس حلاً مثالياً في عالم أصبح فيه كل ممنوع مرغوبا، فالمطلوب هو التحصين النفسي والفكري والذهني، لأن هذا أقدر على حماية أبنائنا من الاكتفاء بالمنع.

يا عزيزي الأب، لتكن أنت الصدر الحنون الذي يلجأ إليه ابنك، وليس ذلك العالم الغريب البعيد. دعه يأتي إليك صديقاً يبوح لك بمكنونات صدره بدلاً من أن يبوح بها لغريب من شذاذ الآفاق لا تعرف ما هي أهدافه ولا أجنداته، والتي قد تبدأ من الاتجار بالبشر مروراً بترويج السموم ولا تنتهي بالتنظيمات الإرهابية والجهات المعادية.

لتكن أنت حصناً لابنك.. كن صديقه!