الثروة التي تمشي على قدمين

المصنع الذي توقف

كان صاحب مصنع يفخر كثيراً بمعداته. وكلما زاره ضيف، اصطحبه في جولة قائلاً: «هذه الماكينة كلفت مليوناً، وهذه مليونين، وهذه أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا».

وفي صباح أحد الأيام، تعطلت أهم ماكينة في المصنع.

استدعى صاحب المصنع فريق العمل، وحاول الجميع إصلاحها لساعات، لكنها لم تعمل. عندها، اتصلوا بمهندس كان قد غادر الشركة قبل أشهر. حضر المهندس، وألقى نظرة على الماكينة، ثم ضغط بضعة أزرار، وأجرى تعديلاً بسيطاً، فعادت إلى العمل.

نظر صاحب المصنع إلى آلاته التي كلفته الملايين، ثم نظر إلى المهندس، وأدرك فجأة أين تكمن القيمة الحقيقية لأحد أهم أصول مصنعه.

رأس المال يتغير

لعقود طويلة، كنا نقيس القوة الاقتصادية بما يمكن رؤيته: المصانع، والأراضي، والنفط، والآلات، والمباني. ولا تزال هذه الأصول مهمة، لكن اقتصاد القرن الحادي والعشرين أضاف نوعاً آخر من رأس المال: رأس المال البشري، بما يضمه من مهندسين وأطباء وباحثين ومبرمجين ومصممين ومديرين ورواد أعمال.

المعركة الجديدة

لم تعد الدول تتنافس على المصانع وحدها، بل تتنافس أيضاً على الكفاءات التي ستعمل فيها. ولهذا، أصبحت سياسات التأشيرات والإقامة، وجودة الحياة، والتعليم، والأمان، والضرائب، والفرص المهنية، أدوات مؤثرة في التنافس الاقتصادي.

فالعقل المتميز يستطيع الانتقال من بلد إلى آخر، وحين ينتقل، لا يحمل حقيبته فحسب، بل يحمل معه إنتاجيته ومعرفته وشبكة علاقاته وقدرته على الابتكار.

استقطاب العقول

من هنا نفهم لماذا تتنافس مدن مثل لندن وسنغافورة ودبي ونيويورك على استقطاب المواهب العالمية. فالمسألة لا تتعلق بعدد السكان، بل بنوعية رأس المال البشري، الذي تستطيع هذه المدن جذبه والاحتفاظ به.

والمفارقة أن المصنع يمكن شراؤه، والآلة يمكن استيرادها، أما بناء منظومة تجعل أفضل العقول ترغب في القدوم والبقاء والإنتاج، فهو أكثر تعقيداً بكثير.

في اقتصاد المستقبل، قد تكون أغلى ثروة تمتلكها دولة شيئاً لا يظهر في باطن أرضها، بل إنساناً يمضي كل صباح إلى عمله، حاملاً معه المعرفة والخبرة والقدرة على صنع الفرق.

الثروة الجديدة... تمشي على قدمين.