خراريف الرطب

لم نتعود يوماً أن يأتي موسم الرطب وحيداً؛ ففي كل مرة تصاحبه حكايات كثيرة: نخلة ظلّل سعفها ساحة البيت، وصحن دار بين الجيران قبل أن يستقر على مائدة الأسرة. فالرطب لم يكن يوماً مجرد ثمرة موسمية، وإنما لغة محبة صامتة، وواحدة من تلك التفاصيل التي تُعلّم الناس كيف يتقاسمون الخير دون أن يسأل أحدهم الآخر عمّا يملك.

في ذاكرتنا يبقى «القيظ» شديداً، لكنه يظل موسماً جميلاً، ففي حرارته تنضج الثمار، وتظهر ثمرة الصبر الذي امتد طوال العام؛ من تلقيح النخلة والعناية بها، إلى تنظيم ريّها وحمايتها، وانتظار لحظة قطافها. وأهل النخل يعرفون جيداً أن العذق الممتلئ لا تصنعه المصادفة، وإنما عين تراقب، ويد ترعى، وقلب لا يملّ الانتظار.

هذه الحكاية القديمة تتجدد اليوم في موسم الرطب، ولا تكتمل إلا حين تصل حباته إلى الآخرين، وهذا ما تعيده مبادرة «خراريف الرطب» التي أطلقتها هيئة تنمية المجتمع في دبي تحت شعار «من نخلنا لأهلنا»، حيث تتحول المحاصيل المحلية إلى صناديق خير تصل إلى آلاف الأسر، وتحملها أيادي المتطوعين عبر المجالس المجتمعية، ليكون العطاء امتداداً طبيعياً لموسم اعتاد الإماراتيون أن يتقاسموا خيره.

وفي الجهة الأخرى، نشهد هذه الأيام احتفاء مهرجان دبي للرطب بالنخلة والإنسان الذي بقي وفياً للأرض. يلتقي تحت مظلة المهرجان مزارعون من مختلف إمارات الدولة، يحمل كل منهم ثمرة عام كامل من الجهد، ويتنافسون بمحبة، ويتبادلون الخبرة.

ويؤكدون أن النخلة ما زالت قادرة على جمع الناس كما كانت تفعل دائماً. وبين مهرجان يحتفي بأهل النخل، ومبادرة توصل الثمار إلى أهلها، تؤكد دبي أن التراث لا يبقى حبيس الماضي ولا يعيش في الصور القديمة، بل يتجلى في منظومة القيم المجتمعية التي نمارسها كل يوم.

مسار:

«خراريف الرطب»... حكايات تبدأ من النخلة، وتمتد ثمارها إلى كل يد تؤمن بأن الخير يزداد حين نتقاسمه.