السردية الإعلامية.. تشكيل الوعي

في أوقات الأزمات، لا تقتصر المواجهة على الحدث نفسه، بل تمتد إلى الطريقة التي يُروى بها والتي تحدد شكله وأهميته وبناءً عليه يصبح المجتمع أكثر حساسية لكل كلمة.

وفي ظل تسارع تدفق المحتوى عبر المنصات الرقمية، يتضاعف تأثير السردية، حيث يمكن لكلمة واحدة غير دقيقة أن تثير القلق أو تربك الفهم العام، في حين تسهم السردية المتماسكة القائمة على الحقائق في تعزيز الثقة واحتواء تداعيات الأزمة.

وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن الفضاء الإعلامي لم يعد حكراً على المؤسسات التقليدية، فقد أصبح المؤثرون وصناع المحتوى جزءاً أساسياً من منظومة نقل السردية، ما يفرض عليهم مسؤولية مضاعفة في كيفية تقديم المعلومة وتفسيرها، ونقل الصورة بوعي وإضافة بعد تحليلي وإنساني يعزز من مصداقيتها.

ولا يرتبط التأثير اليوم بمدى الانتشار فقط، بل بقدرة المحتوى على تقديم قيمة معرفية حقيقية تساعد الجمهور على استيعاب أبعاد الأزمة. فالمؤثر القادر على توظيف تخصصه، سواء في الاقتصاد أو التقنية أو غيرها، يسهم في تفكيك المشهد وتقديمه بلغة بسيطة، ما يعزز وعي المجتمع ويحد من انتشار الشائعات.

وفي المقابل، يؤدي غياب هذا الدور أو الاكتفاء بإعادة النشر دون تحليل إلى إضعاف السردية وفتح المجال أمام تفسيرات متباينة قد تؤثر سلباً في تماسك المجتمع.

ما شهدناه من مواقف متباينة خلال فترة الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، يكشف لنا عن مدى الحاجة إلى بناء سردية إعلامية واعية تقوم على التكامل بين مختلف الأطراف، وتوازن بين سرعة النشر ومتطلبات الدقة، بما يضمن تقديم محتوى مسؤول يعكس الواقع بموضوعية ويعزز ثقة الجمهور.

فالأزمات لا تختبر فقط جاهزية المؤسسات، بل تكشف أيضاً مدى نضج الخطاب الإعلامي وقدرته على حماية الوعي المجتمعي، وهو ما يجعل الاستثمار في تطوير مهارات صناع المحتوى وتعزيز حس المسؤولية لديهم ضرورة ملحة لمواكبة تحولات المشهد الإعلامي.

مسار:

السردية الإعلامية ليست أداة نقل للمعلومات وإنما عامل مهم في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه ردود فعله.