الكتابة في زمن التشتت الرقمي

التشتت، لم يعد حالة عابرة في حياتنا اليومية، بل تحوّل مع الزمن إلى وضع افتراضي نعيشه جميعاً؛ شاشات مفتوحة، إشعارات دائمة، ومحتوى يبدأ ولا ينتهي. في مناخ كهذا، يصبح سؤال الكاتب، لماذا أعجز عن استحضار فكرة لمقالي الأسبوعي؟ أقل اتهاماً للذات، وأكثر انتماء إلى سياق ثقافي ومعرفي يستهلك انتباهنا على جرعات، حتى لا يذر ما يكفي للتأمل والكتابة. التشتت ليس عيباً شخصياً، بقدر ما هو انعكاس لحياتنا الحديثة، بطريقة تنظيم لوقتنا، وتنميط لعلاقتنا بالأجهزة التي تحيط بنا كالسوار.

التشتت الرقمي لا يهاجم القدرة على التركيز فحسب، بل يمسّ إحساسنا بالزمن؛ فكل إشعار يقطع خيط الفكرة، وكل انتقال بين المواقع يلغي مساراً للتفكير كان قد تشكّل. ليغدو بعدها من الصعب الجلوس مع فكرة واحدة لـ20 دقيقة متواصلة، دون الهروب إلى شاشة أخرى أو مكالمة هاتفية، تفقد الكاتب أهم عُدّته: قدرة الإقامة مع الفكرة لحين نضوجها.

ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة؛ فكما أنتجت الرقمنة التشتت، فإنها تتيح – للواعين – إمكانية تنظيم التفاعل الرقمي لاستعادة شيء من وحدة الانتباه، عبر تقنين الاستخدام، وتخصيص أروقة زمنية للقراءة والكتابة.

الخطوة الأولى في مواجهة هذا الوضع بصفته أزمة مؤقتة، لا يجب تحميل أنفسنا فيه وزر الشعور بالعجز عن الكتابة، بل ننظر إلى التشتت بوصفه سياقاً لزمن بأكلمه. إن الاعتراف بأن المشكلة جزء من الهواء الثقافي الذي نتنفسه، لا يعفينا من المسؤولية، لكنه يحرّرنا من جلد الذات، ويفتح الباب لسؤال أكثر واقعية: ما مقدار المساحة التي أستطيع أن استردها كل يوم من قبضة الشاشات ومنحها لنفسي، لأجل قراءة أطول، ولفكرة أعمق؟

علاج التشتت الرقمي ربما يبدأ بقرار بسيط، أن نمنح انتباهنا حقّه من الاستقرار، ولو لنصف ساعة، مع نصٍّ أو فكرة أو مشروع كتابي، بعيداً عن الضجيج. حينها فقط يمكن للابتكار أن يولد، من تربة ذهنية أقل تفتتاً وأكثر قابلية لإنبات يعجب الزّراع.