يروي ابن رجب في كتابه (من لطائف المعارف) يقول: كان عمرو بن قيس - رحمه الله - إذا دخل شعبان، أغلق تجارته وتفرغ لقراءة القرآن. وكان يقول: طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان.
رمضان، اسم له دلالة ومعنى؛ فالجذر الثلاثي لكلمة رمضان هي (رمض)، ومعناها الحدّة في الشيء. فنقول مثلاً: الحدّة في الحر، أي أقصى شدته. وينسحب معنى الحدّة ذاته على غيره من الأمور؛ فالرمض هو شدّة الحَرّ؛ السخونة في الحجارة والرمل والتراب والحديد في الأرض الفضاء، بسبب من أشعة الشمس. في بيئة حارة كهذه، إذا سألت شخصاً من بادية مكة المكرمة: ما الحال؟ ستكون إجابته: إنها رمضاء. أي أن كل شيء ساخن - حار لا يحتمل.
أسلافنا العرب كانوا يستثمرون شدة الحر لمنفعة ضرورية، هي تصيّد الظباء؛ يتبعونها في ذروة الهاجرة من النهار حتى تُرهق، ثم لا تقوى على الحركة، فيأخذونها قوتاً لهم. ويسمون عملية التصيد (التّرمُّض).
سمّت العرب حرقة الغيظ (الرَّمَض)؛ تلك الحرارة التي تحرق الجوف. فيقال: أرمضه الأمر. أي أغاظه وأوجعه؛ فكل شيء حادٍّ هو (رمَيض). يقال: هذا سكين رمَيض، ونصلٌ رمَيض، وشفرة رميضة. وإذا أراد الشخص أن يصنع من قطعة حديد سكيناً، فإنه يرمِضها بين حجرين أملسين لترقّ وتصبح حادة. ويمكن القول: ارتمضتُ لفلان، أي حزنت له. وارتمضت الكبد، أي فَسُدت. لذلك فإن رمضان مشتق من الرمض أي الحر.
للأصمعي رواية عن أبي عمرو يقول: إن رمضان من الرمض وسبب تسميته؛ لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة، كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس.
مقطع القول: إن الشهر الكريم، رمضان المبارك، رغم (الحرارة) في اسمه، والمشقة في صومه وقيامه، يظل شهراً روحانيّاً أُخرويّاً، موسماً متفرداً للغفران، ومحطة للبر والإحسان، وسبيلاً إلى مراجعة النفس، وإلى ابتغاء الفضل والرضوان. فنسأله تعالى أن يعيده على الجميع بالخير والبركة والمغفرة.