آدميتنا في اختبار السرعة القصوى

الإنسان العادي في زمن السرعة والتقنية عالية الأداء، حالته لا تُسر، ولا تُتمنى لصديق، ولا حتى لعدو. الإيقاع المتسارع الذي اقتحم يومه غيّر حياته من جذورها، وهو يعترف بذلك صراحة، وكأن الأمور تجري وحدها، وتأتيه على غفلة منه. لكن هذه «الغفلة» التي يتذرع بها الإنسان لا تولد من فراغ. ما يغذيها في العمق هو التشتت الذي زحف إلى عقولنا، حتى بتنا بالكاد نركز، ضعفاء، أقرب إلى النسيان، مشوبين بعدم الرضا والاستنكار الصامت.

إنه التشتت الذي يكتسب، مطلع كل يوم، مساحات أوسع، يتوغل فيها نحو فئات اجتماعية جديدة يضمها، كانت حتى الأمس تنعم بطبيعتها البكر، في منأى عن طغيان التشتت واستبداده.

إذاً، نحن أمام الإيقاع المتسارع/ بوابة الغفلة/ والتشتت. ثالوث لا يكف يتنامى داخل الإنسان المعاصر. ولا يُعلَم إلى متى يمكنه أن يصمد في وجه هذا الأخطبوط مثلث الرأس، ومقاومته دفاعاً عن بقايا الآدمية الخيّرة فينا، بصفتها القيمة الأساس لحفظ النوع على الأرض.

أغلبنا، إذا لم يكن جميعنا، موزع في ليله ونهاره، بين عمل المعيشة الشاق، وبين التطبيقات الإلكترونية؛ التي يضاف إليها كل يوم، تطبيق جديد يلغي الذي قبله. وبين الأخبار المتلاحقة على وسائل؛ من المفترض أنها ابتكرت للتواصل الاجتماعي، لا للانكشاف الأخلاقي، والتضليل الفكري، والابتذال السياسي، والاستغلال الاقتصادي، وإطلاق الجميع السموم على الجميع في الجهات الأربع، ليصاب هذا الإنسان بدهشة مستدامة؛ لم يعرف زمناً كان فيه إلى هذا الحد من الضعف والعجز، والتوجع والرهبة، يرى ولا يرى، ضباباً أنى توجه، متسائلاً عن سبب استهدافه وشيطنته وتجريمه، ومحاولة التخلص منه كمخلوق فاقد للصلاحية. كأن عليه أن يعيد إثبات إنسانيته في كل فجر جديد.

هذا الإنسان العادي الذي تم وضعه في قلب التيه التقني والسرعة العمياء، في عالم يوشك أن يفقد عقله، هل ما زال يملك شجاعة التمهل، لترتيب يومه، أم أن التشتت أصبح قدره الجديد؟