يقول المولى تبارك وتعالى: (والعصر (1) إنّ الإنسان لفي خسرٍ (2) إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر (3)) [العصر: 1 - 3].

قال ابن السعدي: «أقسم الله تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم أن كل إنسان خاسر»، وبهذا تتبيّن لنا أهمية الزمن، وأهمية المحافظة عليه، أتدري لماذا؟ لأن أعمارنا عبارة عن دقائق، ثم ساعات، ثم أيام، ثم أشهر وسنين، فمن ضيّع الدقائق والساعات، ضاعت عليه الأيام والشهور، ومرّت به الأعوام دون أن يستغلّها فيما يفيده في المهمة التي من أجلها خلق.

إذا كان رأس المال هو الوقت، فإن البضاعة بضاعتان؛ بضاعة يكون قرينها الربح والفائدة، وهي أنواع الطاعات؛ من ذكر لله، وإخلاص، وصلاة، وصيام، وحج، وإنفاق في سبيل الله، وكل تلك الأعمال الصالحة التي يصرف الإنسان فيها عمره فيكون قد خسر من عمره أياماً وسنين، لكن المردود والربح عظيم، بما فيه من رضا الرحمن، وأجر وثواب، وسكينة واطمئنان، وجنات فيها نعيم مقيم.

فكانت النتيجة أن كان من الرابحين؛ لأن الثمن إذا ما قورن بالفائدة العظيمة هان. وبضاعة يكون قرينها الخيبة والخسران، وهي معاصي الله؛ من ترك للفرائض، وإتيان المنكرات من ملاهٍ، ومخدّرات، وكل ما يعصى به الله، فيكون الثمن ضياع العمر.

والبضاعة المشريّة هي المعاصي، والملذات الفانية، والمكسب هو غضب الله وسخطه، وسيئات تملأ السّجلات، عاقبتها الهم، والغم، والنيران؛ فكانت تجارةً خاسرة، دفع العمر ثمناً لها، وحصلت الذنوب بها، والسخط، والعقاب. فيا لها من تجارة ما أشد خسرانها، وما أقل فائدتها! يقضى العمر بشيء من الملذات التي تفنى، ويبقى ألـمها، وعقابها، وتبعاتها النفسية، والبدنية، في الدنيا والآخرة.

ها قد لاح لك الفرق بين البضاعتين، فكن يا رعاك الله من أهل التجارة الرابحة في أعظم المواسم للربح؛ «شهر رمضان»، وكن ممن يبذل وقته فيما ينفعه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».

فلك أن تقارن بين رجلين أحدهما يقسّم نهاره بين صيام، وتلاوة القرآن، وعمل، وفي الليل بين قيام، وذكر لله، وتلاوة للقرآن، لا يخسر من وقته إلا ما احتاج فيه إلى راحة لاستعادة النشاط؛ ليعود لميدان العمل، ويقول في نفسه: هي أيام وتنقضي، يذهب الجهد، والعناء، ويبقى الأجر والثواب.

وبين رجل آخر يقضي يومه على وسائل التواصل من موقع إلى موقع، أو في الكلام لا يفيد، لا ينجز عملاً، وإن أنجز فعلى مضض، والليل سهر ومسلسلات، وغيرها من الملهيات، رمضان أيام ستنقضي ويطويها الديوان، فاكتب فيه من الأعمال ما تفرح به يوم أن تلقى الملك الديان.

* (واعظ أول - إدارة التوجيه والإرشاد) في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي