صراع التغيير بين القائد والمدير

ت + ت - الحجم الطبيعي

يميل القياديون بطبيعة الحال نحو التغيير، في حين يقاوم المديرون الجهود التغييرية.

فموقع القائد العلوي في الهرم الإداري يجعله بعيداً عن يوميات المدير وتفاصيل متابعة كل أمر يطرأ عليه تغيير. وهذه «سُنَّة الإدارة» الحميدة. فلو كان كل قيادي «سيتورط» في مشاغل وتفاصيل التغيير لما أقبل مجلس إدارة، ولا مجلس وزراء، ولا رئيس تنفيذي، ولا وزير على أي تغيير!

ميزة المنصب القيادي، أنه إشراف علوي، على ثلة من المديرين. فكلما ارتفعنا في السلم الإداري قل اهتمامنا في التفاصيل. ولذلك لا داعي لأن يحمل وزير الكهرباء شهادة في الهندسة الكهربائية بالضرورة. فالوزير علاوة على أنه منصب سياسي، هو منصب رفيع لا يتطلب حصوله على التخصص الدقيق.

وهذا لا يمنع طبعاً حمله للشهادة التخصصية، لكن طبيعة الحال تقتضي أن يتفرغ كبار القياديين لمتابعة عامة لنتائج أداء مرؤوسيهم (المديرين والنواب وغيرهم).

وذلك أن التخصص إذا ما تطابق مع نشاط المؤسسة قد يدفع وزيراً مثلاً إلى التوغل في أعمال تفصيلية إدارية ليست من صلب عمله الإشرافي. ولهذا تجد كثيراً من الرؤساء التنفيذيين في أكبر 500 شركة أمريكية لا يحملون تخصصات متطابقة مع أنشطة الشركة الرئيسية، كأن يدير مهندس شركة استثمارية أو مصرفاً، ويدير مدير مبيعات مصنعاً بحكم خبرته السابقة ومهاراته القيادية. فكبار المساهمين إذا ما أرادوا إحداث نقلة نوعية في تغيير واقع الشركات جاؤوا بقيادي فذ يأخذهم إلى بر الأمان.

وأسباب الصراع بين المدير والقائد في مسألة التغيير عديدة. فمن المديرين من يقاومون التغيير لأنهم باختصار مقبلون على أخطاء بحكم تغيير الإجراءات أو اللوائح أو البرامج software أو المواقع الجغرافية أو العقود الخارجية، أو وربما تدني الجودة، مثلاً، لأسباب ضائقة مالية، فتجدهم ينشغلون في الرد على العملاء وشكاواهم المتزايدة.

ويدربون الموظفين ويوجهونهم ويراقبونهم أكثر من أي وقت مضى حتى تستقر الأمور. ويميل القياديون بأريحية نحو التغيير؛ لأن مدة بقائهم في المناصب العليا أقل عادة من المديرين. فهو يريد أن يضع بصمته حتى يشار إلى مؤسسته أو قطاعه بالبنان قبل رحيله.

ولهذا يستغرب البعض كيف صار القيادي الجديد يمارس نفس الانتقادات السابقة التي يوجهها لمسؤوليه عندما كان مديراً صغيراً، والإجابة تكمن في أنه قد «غير موقعه» (منصبه) فتغيرت وجهات نظره. وربما صار لديه معلومات أكثر كانت خافية عنه. البعض يعد القيادي متناقضاً، لكنه قد يرى نفسه عقلانياً في توجهاته بعدما اتضحت له الرؤية.

ومن صور صراعات القياديين والمديرين أن التوجهات التغييرية قد تفقد المديرين بعض الموظفين، أو ينهمر عليهم مجموعة كبيرة من غير الأكفاء بسبب الاندماج أو الاستحواذ. وهذا ما يجعل بعض القياديين يترددون في الارتكاز فقط على رأي المديرين في التوجهات والتغييرات الجذرية، لأن شهادتهم قد تكون مجروحة.

وبشكل عام عندما تهب رياح التغيير، يواجه المديرون والقياديون نوعين من التحديات. كالتحديات الخارجية وهي، ردة فعل المنافسين، والثقافة السائدة في المجتمع، والتكنولوجيا المتاحة ومدى تجاوبها مع مطالب التغيير. وهناك تحديات داخلية تقليدية، مثل تدني أداء الموظفين الذين صاروا ينفرون من التغيير، خصوصاً عندما تم تجاهل رأيهم فيه.

ولذا من أبجديات التغيير إشراك العاملين فيه حتى يكونوا وقوده بدلاً من أن يتحولوا إلى حجر عثرة. ويكون ذلك بالكشف عمّا سوف يجنونه في المستقبل القريب من فوائد حتى يمكن الصبر على مرارة التغيير.

ومن التحديات الداخلية عدم فهم طبيعة القيادة الجديدة وضبابية رؤيتها، وهذا وحده سبب كفيل في تطفيش أمهر العناصر البشرية. كما أن الصراع شر لا بد منه، فحينما تتحرك عجلة التغيير يهرع البعض للحاق بركبها حتى يكون لهم موضع قدم، وإذا ما باءت جهودهم بالفشل، وجدوا أنفسهم أمام خيار التسرب الوظيفي، أو مهاجمة المؤسسة داخلياً وخارجياً.

إن معضلة التغيير تحرك شجون المديرين قبل القياديين. فهم الحلقة الأضعف في التغييرات الكبرى الصادرة من «فوق»، أو التي يفرضها الأمر الواقع كالمنافسة أو القوانين الجديدة الصادمة، وهذا لا يعني أن القيادي في نعيم، لكنه أقل اشتراكاً في تحديات التغيير اليومية، فهذا دور المدير وفريقه.

 

*كاتب كويتي متخصص في الإدارة

 

طباعة Email