نظام التقاعد في فرنسا.. التاريخ يعيد نفسه

ت + ت - الحجم الطبيعي

شهدت فرنسا طوال الأسبوع الماضي حراكاً اجتماعياً بلغ مداه يوم الخميس بخروج قرابة مليوني شخص في مدن مختلفة من أنحاء فرنسا، احتجاجاً على مشروع حكومي بتعديل قانون أنظمة التقاعد.ويُعتبر هذا الإصلاح من الأركان الأساسية في فلسفة حُكم الرئيس إيمانويل ماكرون، وهو من الوعود الانتخابية التي قطعها على نفسه.

والتي دفعته الاحتجاجات وأزمة كورونا إلى التراجع عنها خلال مدّته النيابية السابقة.

والفكرة الأساس التي ينبني عليها إصلاح أنظمة التقاعد هي أنّ هذا الإصلاح يحقّق أوّلاً، التوازنات المالية لنظام يقوم على إعادة توزيع الثروة تحقيقاً لدرجة مُثلى من التضامن بين الفئات والأجيال، وثانياً، هو إصلاح من شأنه أن يحقّق العدالة بين الأجيال ويخفّف بعض الشيء عن الجسم العامل، الذي أضحى العضو العامل الواحد يموّل متقاعداً واحداً، بعدما كان العضو يموّل أربعة متقاعدين.

وتتمثّل آليات هذا الإصلاح الأساسية في اعتماد نظام التنقيط في احتساب منحة التقاعد وثانياً وأساساً، في تأخير السنّ القانونية للتقاعد لتبلغ 64 سنة على الأقلّ.

وتفيد استطلاعات الرأي أنّ نسبة 93 في المائة من الجسم العامل في فرنسا رافضة للمسّ من السنّ القانونية للتقاعد أو هي رافضة لعملية الإصلاح برمّته.

وفضلاً عن كون رمزية هذا الحراك المجتمعي في فرنسا كما في غيرها من الدول والمجتمعات التي طُرح فيها هذا الموضوع أو ما جاوره.

فإنّ هذه الموجات الاحتجاجية تثير مسائل أعمق في علاقة، بمفهوم العمل في حدّ ذاته، وفي علاقة أشمل بمنظومة الحكم الليبرالي الذي يقوم على النظام التمثيلي.

وأيضاً في علاقة بكُنهِ المسألة الأخلاقية، والتي قد تقود إلى «الإطاحة» بمبدأ التضامن بين الأجيال، وربّما إلى الصدام بينها لأسباب نفعية لا علاقة لها بالأسباب التقليدية المتعلّقة بحيثيات بناء الشخصية المستقلّة للأبناء عن آبائهم.

إنّه بات لافتاً أنّ العمل والوعي به فقدا مع الوقت وعوامل أخرى المكانة المحورية كقيم مؤسِّسة لإنسانية الإنسان، ذلك أنّ عمل الإنسان الذي يحرّكه ويوجّهه العقل وليس غريزة البقاء كباقي الكائنات، هو الذي فتح أمام الأفراد والمجتمعات أبواب الإبداع والتميّز وبناء الحضارات المتعاقبة.

وإنّ شواهد التاريخ تؤكّد على أنّه كلّما تدنّت قيمة العمل في مجتمع ما دخل دوّامة الانهيار والاندثار.

والثابت في العصر الذي نعيش أنّ من كان يؤسّس فكره على محورية العمل والحقوق الناجمة عنه، بدأ بالتدريج يفقد أصالته السياسية والنضالية لفائدة فكر يقوم على المنفعة والمكاسب السهلة والمنح المختلفة والخطاب الحقوقي المتطرّف الذي أضعف العلاقة بالعمل وحوّل قداسة العمل إلى امتهان للذات البشرية وحصرها في نسق نفعي بعيداً عن المثل العليا للآباء المؤسسين للفكر الحقوقي في معناه النبيل والشامل.

وإنّ ما يبعث بعض الأمل في النفوس، أنّ الاحتجاجات التي صاحبت رغبة الحكومة الفرنسية في القيام بإصلاح أنظمة التقاعد هو تحرّك شباب المدارس والمعاهد والجامعات الرافض لمشروع الإصلاح، ليس من أجل منافع وامتيازات لم يحصلوا عليها بعد، وإنّما للتعبير بالمناسبة عن حالة غضب عام ضدّ الحكومة والسياسيين الذي فقدوا في تقديرهم بوصلة التخطيط للمستقبل.

وهم لذلك خرجوا إلى الشارع في حراك احتجاجي خاصّ بهم مكاناً وزماناً للتعبير عن رفض كلّ شيء لا يقبله أو يتقبّله عقلهم الذي قَدَرُهُ التطلّع إلى المستقبل.

وقد رأى الكاتب والمختصّ في علم النفس التحليلي جيرارد ميلر في الحراك الشبابي ما يبشّر بالتوق لعالم جديد على غرار حراك 1968 من القرن الماضي الذي أسّس لعالم الحريات بكلّ أشكالها قبل أن تسطو الأطراف السياسية والحزبية على ذلك الحلم.

ويحدث أن يُلدغ الساسة من جُحر مرّتين، إذ بدل التعمّق في جوهر التحرّك الشبابي للاستفادة منه، انطلق التنافس بينهم من أجل استقطابه وتوظيفه في فشلهم المزمن.

* كاتب تونسي

 

طباعة Email