الميتافيرس والعالم الافتراضي

ت + ت - الحجم الطبيعي

كانت «الميتافيرس» مجرد كلمة خيال علمي حتى يوم 28 أكتوبر من العام 2021، وهو اليوم الذي غيرت فيه شركة فيسبوك ( facebook) اسمها إلى Meta وأعلن مارك زوكربيرج عن رؤية شركته لبناء منصة ميتافيرس التي سرعان ما سيطرت على عالم التكنولوجيا كالنار في الهشيم، ويتمتع عالم الميتافيرس بقدرة فريدة على عكس العالم الفعلي الذي نعيش فيه ويُمَكن المستخدم بالحرية الكاملة للحفاظ على النسخة الرقمية للواقع أو تغيير العناصر مع العالم حسب ما يفضله.

لقد أصبحت الروابط بين العالم المادي والمالي والافتراضي أكثر قرباً وتماسكاً، فالأجهزة التي نستخدمها لإدارة حياتنا اليوم تمنحنا إمكانية الوصول إلى كل شيء نريده بلمسة زر، ومنظومة العملات الرقمية ليست استثناءً من هذا، فالرموز غير القابلة للتبادل وألعاب سلاسل البلوك تشين ومدفوعات العملات الرقمية لم تعد حكراً على خبراء العملات الرقمية، بل أصبحت متاحة اليوم بسهولة كجزء من عالم الميتافيرس.

وتعتبر تكنولوجيا الواقع المعزز هي المحرك الرئيسي لعالم الميتافيرس، بحيث يتحكم كل مستخدم في شخصية أو صورة رمزية (آفاتار)، على سبيل المثال حضور اجتماع افتراضي باستخدام سماعات ونظارات OCULUS VR في مكتبك الافتراضي والانتهاء والاسترخاء لبعض الوقت أثناء ممارسة لعبة قائمة على سلسلة البلوك تشين، ويمكننا أن نرى بالفعل بعض جوانب عالم الميتافيرس في العوالم الافتراضية لألعاب الفيديو الموجودة بالفعل، فألعاب مثل SECOND LIFE أو FORTNITE تجمع العديد من عناصر حياتنا في عوالم إلكترونية عبر الإنترنت، ورغم أن هذه التطبيقات ليست هي الميتافيرس فإنها تشبهها إلى حد ما، وإلى جانب دعم الألعاب أو وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الميتافيرس سيجمع بين الاستخدامات الاقتصادية والهوية الرقمية والحوكمة اللامركزية وغيرها من التطبيقات، حتى في عالم اليوم فإن إنشاء المستخدمين للعناصر والعملات الرقمية وامتلاكهم لها يساعد على تطوير عالم ميتافيرس واحد ومتحد، وكل هذه الخصائص تمنح سلاسل البلوك تشين الإمكانات لتشغيل هذه التكنولوجيا المستقبلية.

وإذا كان بالإمكان إنشاء عوالم افتراضية لا متناهية غير الميتافيرس فمعنى هذا أن هناك أنماطاً لا متناهية من التفاعلات الإنسانية التي يمكن أن تتم عبر هذا العالم، ولعل هذا ما قصدته «فيسبوك» من خلال اختيار شعار «ما لا نهاية» للشركة الأم الجديدة، وعلى سبيل المثال مساهمة الميتافيرس في تغيير شكل التعليم بصورة عامة، حيث يمكن للطلاب حضور الدروس والمحاضرات والدورات التدريبية بأنفسهم في شكل ثلاثي الأبعاد عبر الميتافيرس بدلاً من مشاهدتها عبر زووم «ZOOM»، أو من خلال المنصات التعليمية الرقمية فيستطيع الطالب أن يتفاعل بصورة مباشرة سواء مع المعلم أو البيئة التعليمية.

ورغم ما سيترتب على إنشاء عالم الميتافيرس إلا أن هذا العالم الماورائي الجديد قد يشكل تهديداً للبشرية، فقد يلجأ الأفراد إلى هذا العالم الافتراضي الذي يصنعونه بأنفسهم هرباً من واقع صعب ورغبةً منهم في الابتعاد عن مشاكل الواقع وخلق مساحة مصنوعة تحقق لهم رغباتهم ومتعهم ويبدأ الأفراد في قضاء معظم وقتهم في بوتقة الميتافيرس سواء عمل، تعليم أو ترفيه، ولا يتركون هذا العالم إلا للخلود إلى النوم، وتصبح الحياة الإنسانية مجرد تفاعلات تتم عبر نظارات افتراضية تعيش فيها الأفراد إما بشخصياتهم الحقيقية أو الافتراضية، فيستخدم كل شخص (الآفاتار) الذي يتمنى أن يكون عليه ويتعامل داخل هذا العالم الجديد بشخصيته المتغيرة بين الحقيقية والافتراضية.

 قد يذهب هذا العالم إلى أبعد من ذلك لمعايشة ليس فقط الأحياء بل الأموات أيضاً، فيتم استخدام كافة البيانات الموجودة لشخص قد توفي في بناء شخصية افتراضية عنه، تستخدم صوره وفيديوهاته وصوته وعبر نظام ذكاء اصطناعي يتم إنشاء شخصية افتراضية له تستمر في عالم الميتافيرس حتى بعد موته، وإذا ما أصبح الأفراد يشعرون أنهم بدؤوا يملكون هذا العالم الجديد ووجدوا فيه حريتهم المطلقة وأحلامهم المحققة فسيفيقون على كابوس أنهم أصبحوا مُسخَرين في ديكتاتورية شركات التكنولوجيا العملاقة فلا هم يستطيعون الخروج من عالمهم المصطنع ولا يستطيعون العودة إلى عالمهم الطبيعي القديم.

طباعة Email