عبدالعزيز العلي البسام نموذج وضاء لتجار نجد في البحرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يمكن الحديث عن تاريخ العلاقات الأزلية بين الشعبين البحريني والسعودي من دون الحديث عن التجار النجديين في البحرين ودورهم الكبير في تمتين هذه العلاقات. وبالمثل لا يمكن الحديث عن تجار البحرين النجديين بمعزل عن الوجيه عبدالعزيز العلي البسام، الذي اخترنا الحديث عنه لأسباب كثيرة ومنها أن سيرته تكشف لنا أولاً جوانب من التاريخ الحضاري للبحرين في الثلثين الأول والثاني من القرن العشرين، وتوضح لنا ثانياً الأسباب التي دفعت عدداً من أبناء نجد للهجرة إلى البحرين واتخاذها موطناً بديلاً، ناهيك عن حقيقة أن سيرته تعد نموذجاً للتعرف إلى علاقة التجار النجديين بحكام البحرين والسعودية، ومدخلاً للاطلاع على علاقاتهم بسلطات الحماية البريطانية من جهة أخرى، وسبيلاً للوقوف على إسهاماتهم المتنوعة في نهضة البحرين ونهضة مجتمعهم السعودي الأم قبل وبعد اكتشاف النفط. 

ونستعين في سرد سيرة البسام بمصدر رئيس يتمثل في كتاب «التجار النجديون في البحرين، عبدالعزيز العلي البسام نموذجاً» الذي أعده «أحمد عبدالعزيز العيدي» رسالة علمية لنيل الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة القصيم. 

تعد أسرة البسام من أشهر الأسر النجدية القصيمية، وأكثرها ذكراً في أدبيات الترحال والتجارة والمغامرات المبكرة في العراق وبلاد الشام ومصر والهند، لأسباب منها القحط والجفاف والسيول في موطنهم الأصلي أو لأسباب أخرى مثل انتشار الأوبئة وعدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن في مناطقهم قبل قيام الدولة السعودية الثالثة. 

وتعود أصول آل البسام إلى قبيلة تميم وهم من عائلات نجد المتحضرة القديمة، ومؤسسها حمد بن إبراهيم بن عبدالله البسام (توفي 1792م) حفيد القاضي وعالم الدين الشيخ أحمد بن محمد بن عبدالله بن بسام بن عقبة (توفي 1631م). والأخير ترك مدينته، أوشيقر، في سنة 1602م للعمل قاضياً في مدن نجدية أخرى مثل ملهم والقصب والعيينة، لينتهي به المقام في عنيزة.

وولد عبدالعزيز البسام في عنيزة عام 1893 ابناً لوالده التاجر علي بن حميد بن عبدالقادر بن حمد آل سليم البسام الوهبي التميمي، ووالدته لولوة عبدالمحسن البسام. وفي عام 1904، وقد تجاوز العاشرة من عمره، رافق والده إلى مكة فأقام بها سنتين عاد إثرهما إلى عنيزة، حيث حفظ فيها القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، فيما بقي والده في مكة محاولاً تثبيت أقدامه في عالم التجارة من دون نجاح، ما أدى إلى تراكم الديون عليه.

وفي عام 1907 قرر عبدالعزيز أن يختط لنفسه طريقاً يساعد به نفسه وعائلته، فالتحق مع مرافق بإحدى القوافل التجارية المتجهة صوب البصرة، مدشناً بذلك رحلة سوف تغير مجرى حياته. وفي البصرة سكن عند ابن عمه «حمد المحمد البسام»، ولكن وقعت حادثة خطيرة لرفيقه في السفر، حيث احترق جسده بنار كان يتدفأ بها، وهو ما جعله يسارع بنقله للعلاج بمستشفى الإرسالية الأمريكية في الكويت. غير أن المصاب توفي في أثناء العلاج، فلم يجد الفتى الحزين عبدالعزيز سوى إخبار والده بما حدث، طالباً منه المشورة، فأشار عليه بالتوجه إلى المنامة للعمل لدى مكتب القصيبي.

وتعليقاً على ما سبق يخبرنا الباحث العيدي في كتابه أن انتقال الفتى عبدالعزيز البسام إلى البحرين لم يكن مخططاً له، وأن خروجه من عنيزة كان بهدف العمل عند قريبه حمد البسام في البصرة، ولكن الأخير كان قد توفي قبل حلوله بالبصرة، فلم يكن أمامه سوى ثلاثة خيارات وهو في الكويت: إما العودة إلى البصرة وانتظار ترتيب أعمال أبناء عمومته هناك بعد وفاة حمد البسام، وإما العودة إلى عنيزة خالي الوفاض، وإما التوجه إلى البحرين تنفيذاً لرغبة والده. وانتقى عبدالعزيز الخيار الثالث، واضعاً نصب عينيه هدف مساعدة والده وسداد ديونه عبر الاجتهاد والمثابرة في أي عمل مناسب. وهكذا بدأ الفتى رحلة كفاحه منطلقاً من وظيفة كاتب لدى القصيبي بالمنامة، فكان يعمل نهاراً في مكتبهم التجاري ويبيت ليلاً في مجلسهم الكبير مع غيره من العاملين الكثر عند آل القصيبي.

ويبدو أن الرجل لم يطق حياته ومعيشته تلك، فراح يبحث عن عمل آخر بأجر أعلى، إلى أن عثر على وظيفة مسؤول عن الحسابات لدى التاجر البحريني يوسف بن أحمد كانو الذي خصص له غرفة مستقلة للإقامة.

حرص البسام إبان عمله وإقامته في البحرين على تعلم أسرار العمل التجاري، وعدم الاكتفاء بوظيفته أجيراً عند غيره إذ كانت طموحاته الكبيرة الارتقاء بأحواله والتحول إلى صنو لأرباب عمله تدفعه إلى مراقبة مجريات النشاط التجاري ومسالكه وصفقاته، وإلى توفير المال قدر الإمكان من أجل أن يبدأ تجارته الخاصة. وهكذا نجده في عام 1920 يفتتح دكاناً خاصاً به لبيع المواد الغذائية بوسط المنامة، فكان يعمل فيه ليلاً بعد أن ينتهي من عمله نهاراً لدى يوسف كانو، الذي لم يمانع ذلك.

واستمر الرجل على هذا الحال عدة سنوات، مستعيناً في تسيير تجارته بابن عمه، حمد المحمد البسام الوافد من الهند، إلى أن تيقن من أنه قادر على الاستغناء عن وظيفته النهارية وأنه يملك من الخبرة ورأس المال ما يجعله تاجراً مستقلاً، فاستقال من عمله لدى كانو واستخرج سجلاً لمزاولة التجارة برقم 174 وحصل على صندوق بريد لمراسلاته برقم 81، وراح يستورد لحسابه المواد الغذائية من الهند عبر أبناء عمومته المقيمين هناك، ويعيد تصديرها إلى السعودية ودول الخليج الأخرى، بل راح يستورد أيضاً من شرقي أفريقيا حتى غدا وكيلاً لعدد من التجار الأجانب في البحرين. ولعل إحدى آيات اتساع نشاطه وبروزه أنه صار من كبار التجار دفعاً للضرائب، ناهيك عن عمله المتواصل مدة 15 ساعة يومياً، وقيامه بحمل دفاتر حساباته على ظهر حمار كل مساء من متجره إلى بيته كي يعمل عليها حتى منتصف الليل.

بعد أن أفاء الله عليه بالرزق الوفير قرر أن يتملك منزلاً يليق بمكانته التجارية والاجتماعية، فاشترى قطعة أرض في فريج العوضية بوسط المنامة ليبني فيها منزلاً مجاوراً لمنازل الوجهاء والأعيان من سكنة المنطقة، ولكنه قبل أن يشرع في البناء حدث أن عرضت حكومة البحرين للبيع في مزاد بيتاً ضخماً لرئيس بلدية المنامة، فكان البيت من نصيبه.

وفي هذا البيت الفخم افتتح مجلساً لاستقبال ضيوفه من الحكام والشيوخ والوجهاء والأعيان والزوار، وفيه استقبل الملك سعود وحاكم البحرين الأسبق الشيخ حمد بن عيسى بن علي رحمهما الله والعديد من شيوخ آل خليفة الكرام، ممن ارتبط بهم بعلاقات ودية، تماماً كعلاقاته الحميمة بمختلف أطياف المجتمع البحريني ورجالات المعتمدية البريطانية وكبار مديري شركة النفط وتجار البحرين وعلمائها وأدبائها ومثقفيها.

ولم يكن نجاح البسام وليد المصادفة أو الحظ، بل كانت وراءه عوامل عدة، ومنها بدء كفاحه من البحرين ذات البيئة التجارية المتقدمة على غيرها في المنطقة، والبنية التحتية الحديثة، والموقع الاستراتيجي المتوسط في الخليج، والقرب الجغرافي من شرقي السعودية، ناهيك عن احتضانها جالية نجدية كبيرة متعاونة في ما بينها. ومنها أيضاً طموحه الشخصي وثقته بنفسه وأمانته وصدق تعاملاته والتزامه الأنظمة والتعليمات الرسمية واطلاعه الدائم على مستجدات العالم وحرصه على اقتناء كل حديث يساعده على تجارته وأعماله كالخدمات البرقية والهاتفية والمواصلات السريعة وغيرها علاوة على تخصيص جزء من ثروته للإنفاق على أوجه البر والإحسان من منطلق أن الصدقات تنمي ثروة صاحبها وتزكيها. 

ولا يعني هذا أن الرجل لم يتعرض للصعاب والعقبات إبان رحلة كفاحه التجارية فقد تعرض للعديد منها، وخصوصاً أن مسيرته شهدت أحداثاً كثيرة ذات تداعيات اقتصادية معروفة بدءاً من حادثة «الطبعة» الأليمة سنة 1925، والأزمة الاقتصادية العالمية وتدهور تجارة وأسواق اللؤلؤ في الثلاثينيات، واكتشاف النقود المعدنية المزيفة في السوق في الفترة نفسها، وانتهاء باكتشاف النفط عام 1932 والذي تغيرت معه معالم الاقتصاد المحلي، واندلاع الحرب العالمية الثانية بتداعياتها الاقتصادية والمعيشية القاتمة، ونشوب حريق المنامة الشهير عام 1936 الذي أتى على الأرواح والممتلكات وعدد كبير من متاجر السوق. 

غير أن البسام امتلك المرونة الكافية للتكيف مع كل هذه التغيرات فاستطاع أن يتجاوزها. وبالفعل فقد شهدت البحرين في الأربعينيات وما بعدها تطورات كثيرة استفاد منها صاحبنا كغيره من التجار فقد انتعشت الأسواق وتعددت مصادر الواردات وتطورت وسائل المواصلات وتزايد عدد السكان وزاد الطلب على خدمات البسام في التجارة والعقار والاستيراد والنقل وبيع الذهب.

وبالتزامن مع ذلك تعززت مكانته التجارية والاجتماعية بدليل اختياره لعضوية مجلس المعارف عند تأسيسه عام 1930، وعضوية بلدية المنامة التي أسهم في تطوير خدماتها، وعضوية دائرة أموال القاصرين التي قدم فيها اقتراحات وجيهة، وعضوية غرفة تجار البحرين التي كان من ضمن المساهمين في تشكيل نواتها المتمثلة في جمعية التجار العموميين سنة 1939 هذا فضلاً عن حرص المعتمدية البريطانية على دعوته إلى مجلسها الأسبوعي لإبداء الرأي مع غيره من وجهاء البحرين حيال القضايا المطروحة، وتلقيه دعوة من الحكومة البريطانية لحضور معرض الصناعات البريطاني في لندن عام 1936. وكان البسام أيضاً من ضمن مقدمي الدعم المادي لمشروع حفر الآبار الارتوازية في سنة 1926، ولمشروع مستشفى النساء الجديد في السلمانية عام 1959.

راكم البسام مع مرور الزمن وتبدل الأحوال وتوالي الأحداث خبرات وتجارب ثرية، ما جعله مرجعاً للآخرين في الاستشارات التجارية، ومقصداً لهم في بعض الخدمات والمساعدات ويتضح ذلك في مراسلاته مع تجار المملكة العربية السعودية والكويت والعراق ولبنان ومصر والهند ممن طلبوا منه المساندة والدعم كرجل الأعمال السعودي سليمان صالح العليان، أو طلبوا منه تسهيل قدومهم إلى البحرين كالتاجر الهندي عبدالستار عبدالجبار الحريري، أو قصدوه من أجل خطاب توصية يمكنهم من تحقيق مبتغاهم كالتاجر صالح بن عبدالله البسام المقيم في بومباي والذي كاتبه من أجل تسهيل مهام وفد مصرفي هندي، أو تواصلوا معه من أجل تزويدهم بضائع معينة من السوق البحريني كرجل الأعمال المصري أحمد فتحي البلقي الذي طلب منه شحنة من القواقع البحرية لأغراض صناعة الأزرار بمصنعه في الإسكندرية، أو قصدوه كي يرشح لهم وكيلاً محلياً لأعمالهم كما فعل التاجر اللبناني محمود شكرجي.

وعرف عن البسام كثرة أسفاره إلى الخارج من أجل تجارته أو طلباً للراحة والاستجمام حيث تردد على الهند لزيارة ابن عمه محمد العلي البسام المقيم في بومباي والالتقاء بالتجار العرب والهنود، وكان يطيب له الاصطياف كل عام في مصيف عاليه اللبناني حيث كانت تجمعه بالأعيان والحكام المصطافين والتجار والأدباء ومثقفي البلاد العربية مجالس الأدب والشعر والسياسة والاقتصاد. وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، اتجه صوب مصر، وتملك فيها مسكناً بمنطقة الجيزة.

وتشاء الأقدار أن يلفظ الرجل أنفاسه الأخيرة في القاهرة في أثناء زيارته لها سنة 1976 جراء أزمة قلبية مفاجئة وإثر ذلك تمت الاستعدادات لنقل جثمانه إلى البحرين كي يدفن في مقابرها، ولكن ابن عمه التاجر الجداوي عبدالله العلي البسام اقترح نقل الجثمان إلى السعودية للصلاة عليه في الحرم المكي وهكذا نقل جثمانه بالطائرة إلى جدة ثم إلى مكة حيث صلي عليه فجر يوم 7 سبتمبر 1976 ودفن بمقبرة المعلاة.

والجدير بالذكر أن المؤسسة التي أسسها البسام في البحرين سنة 1926 لبيع المواد الغدائية، والتي تبدل نشاطها بدءاً من عام 1955 إلى الاستثمار في بناء وتطوير الأراضي والعقارات وبيع الذهب بالجملة، تحولت ملكيتها سنة 1977 إلى زوج ابنته الوحيدة «عبدالرحمن السليمان البسام»، وصارت اليوم تعمل من مكاتبها في السعودية والبحرين تحت اسم «شركة عبدالرحمن السليمان البسام وأولاده».

طباعة Email