«حكايات أهل الفن»

قصة «شارلي شابلن العرب»

ت + ت - الحجم الطبيعي

متابعو السينما المصرية من جيل الخمسينات والستينات لا بد أنهم يتذكرون منولوجات شهيرة مثل: «اتفضل قهوة»، «العرقسوس»، «حاسب الفرامل»، «خدك يا جميل»، «غني ياويكا على المزيكا»، و«من بعد طاقية وجلابية». ويتذكرون معها أيضاً اسم صاحبها ذي الشخصية الصعيدية الساذجة المنلوجست والممثل والمطرب الشعبي «عمر سيد سالم» الشهير بعمر الجيزاوي.

ولد الجيزاوي في حارة درب الروم بالجيزة في 24 ديسمبر 1917 لعائلة بسيطة من أصول صعيدية، لم يتمكن من إكمال تعليمه فعمل في بداية حياته مساعداً لوالده في مهنة البناء، فكان يحمل الإسمنت على ظهره وفي الوقت نفسه يرفه عن نفسه وزملائه بالغناء. وذات مرة سمعه أحد المقاولين وهو يغني بلهجته الصعيدية: «هيلا بيلا.. يالله يا رجالة»، فأعجب بأدائه وطلبه ليغني في زفاف ابنه. هذه الواقعة خلقت له صيتاً في أوساط مطربي الأفراح في الجيزة فانهالت عليه العروض، وكان بينها عرض من الضابط أنور السادات ليغني في حفل زفافه.

وبسبب هذه الشهرة عمل في الملاهي الليلية القاهرية قبل أن يستدعيه مخرجو السينما للمشاركة في أفلامهم ابتداءً من فيلم «خضرة والسندباد القبلي» في عام 1948، والذي ظهر فيه ضمن عائلة «عبدالرحيم بيه كبير الرحيمية قبلي»، التي سيكون ضمنها ويظهر معها لاحقاً في العديد من الأفلام.

بعد هذا الفيلم، الذي جسد فيه دور شقيق خضرة (درية أحمد) وعبدالموجود (سيد بدير)، ظهر في أكثر من 100 فيلم كان آخرها فيلم «أنا الدكتور» في عام 1968 للمخرج عباس كامل في دور مرافق الطبيب صادق عبدالحق (حسن مصطفى). من أهم أفلامه الأخرى: المتهم/‏‏1957، «كيلو99/‏‏ 1955، فالح ومحتاس/‏‏1955، بنت الجيران/‏‏1954، دلوني ياناس/‏‏1954، لسانك حصانك/‏‏1953، ابن ذوات/‏‏1953، أموال اليتامى/‏‏1952، وخد الجميل/‏‏1951. ومن أشهر من شاركه أفلامه إسماعيل يس، شكوكو، سيد بدير، لبلبة، شادية، وكاميليا.

أسس الجيزاوي فرقة غنائية باسمه وطاف بها الأقطار العربية والأجنبية فذاع صيته خارج حدود مصر، ولا سيما في باريس، حيث أطلق عليه الفرنسيون لقب «شارلي شابلن العرب»، وطبعوا صورته على علب الكبريت. وكان الروائي المصري عبدالرحمن الخميسي قد قال قبل ذلك إن منولوجات وعروض الجيزاوي لا تقل في مستواها عن مسرحيات برنارد شو.

قيل إن أجهزة الأمن المصرية في العهد الملكي هددته مراراً، ولفقت له تهمة الانتماء إلى الشيوعيين بسبب سخريته الدائمة من الملك فاروق وسهراته ومغامراته النسائية المزعومة، وهو ما دفع الجيزاوي إلى الاعتزال إلى أن أطاح الجيش بالملك عام 1952، فعاد إلى الساحة الفنية مجدداً.

وقبل وفاته في أبريل 1983 أصيب بالاكتئاب، بل اقتنع فعلاً بأنه صعيدي ساذج، والسبب هو أن الملحن جمال سلامة سرق منه أغنية «مصر اليوم في عيد» وقدمها إلى شادية لتغنيها وتصبح بعد ذلك من أشهر أغانيها.

تزوج الجيزاوي من الراقصة اللبنانية أنوار حسين، كما اقترن بسيدة مصرية. ووجدتُ في صحيفة المساء القاهرية ما يفيد بأنه تزوج أيضاً من سيدة إيطالية وأقام معها لبعض الوقت في روما.

وأخيراً فإن الجيزاوي لم يصدق أنه تحول من عامل بناء مغمور إلى مطرب وممثل مشهور فكتب بلهجة صعيدية رسالة إلى ابن عمه في الصعيد حمدان ليخبره بما حدث جاء فيها: «حضرة ولد عمنا المبجل حمدان، من ذوي العشرة فدادين وجاعد (قاعد) بجهوة البندر بجوار محطة الجطر (القطار)، أدامه الله.. من بعد مزيد السلام والأشواج (الأشواق) والسؤال عن صحة سلامتكم وصحة الأندال (الأنجال)، نخبركم بأننا عال قوي والأشيا معدن.. وما نجصناش (ناقصناش) غير رؤياكم.. الود يا ولد العم تزورنا في مصر علشان تشوف الأملة اللي أنا فيها».

 

طباعة Email